العودة الآمنة لا تكفي... النازحين يطالبون بتعويض خسائرهم

عادت حنيفة محمد إلى قريتها القاسمية في مدينة رأس العين/سري كانيه بعد الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية، لكنها وجدت منزلها وقد تحول إلى أنقاض، مطالبة الجهات المعنية باتخاذ خطوات جادة لتعويض المتضررين.

سوركل شيخو

تل تمر ـ بعد الاتفاق الذي أُبرم في 29 كانون الثاني/يناير بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية المؤقتة انسحبت مرتزقة تركيا من عدد من قرى منطقة تل تمر، وقد أتاح ذلك الفرصة هذا الربيع للنازحين من قرية القاسمية وهي إحدى قرى سري كانيه، وتقع على بعد 7 كيلومترات غرب مدينة تل تمر لزيارة قريتهم ومنازلهم.

كانت حنيفة محمد واحدة من هؤلاء النازحين الذين تمكنوا من زيارة قريتهم بعد سبع سنوات من الغياب، ولكن عندما توجهت إلى منزلها، أصيبت بالصدمة بعدما وجدته مدمراً بالكامل، وقد عمّق هذا المشهد من حزنها وجعل فكرة العودة والاستقرار في القرية أكثر صعوبة بالنسبة لها.

وتُعد هذه الزيارة الأولى لها منذ نزوحها أواخر عام 2019، إثر الهجوم الذي شنته تركيا ومرتزقتها على مدينة سري كانيه/رأس العين وتل ابيض/كري سبي.

وثقت حنيفة محمد الدمار الذي لحق بمنزلها بالصور ومقاطع الفيديو، مؤكدةً أن ما جرى يمثل انتهاكاً للقوانين الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وطالبت بمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، كما دعت الحكومة المؤقتة إلى تعويض الأسر المتضررة.
 

التنقل بين سبعة منازل خلال سبع سنوات من النزوح

وقالت عن لحظات النزوح الأولى "في أحد الأيام هاجمت الفصائل المدعومة من تركيا قرية القاسمية، واضطررنا نحن النساء والأطفال للنزوح، بينما بقي الرجال في القرية حاملين السلاح للدفاع عنها، ومن شدة الخوف من الوقوع في قبضة المسلحين، أُخرجت النساء من القرية بالملابس التي كنّ ترتدينها فقط، دون أن يتمكنّ من أخذ أي شيء معهن".

وتوضح "في ذلك الوقت بقي الرجال في القرية، وبينما كانوا يستعدون لتناول الطعام بعد انتهاء نوبات الحراسة، شاهدوا سيارات المسلحين وهي تقترب من القرية رافعة الأعلام السوداء، ومطلقة هتافات التكبير. عندها استقل رجلان دراجة نارية وتوجها نحو المدينة، وكانت تلك آخر مرة يغادران فيها القرية".

وأضافت "خلال سبع سنوات من النزوح اضطررنا إلى الانتقال بين سبعة منازل مستأجرة في كل من تل تمر والحسكة. النزوح أمر بالغ الصعوبة، فالنازح يبقى نازحاً أينما ذهب ما دام بعيداً عن أرضه، كما أن أطفالنا دفعوا ثمناً باهظاً، إذ حُرم عدد منهم من مواصلة تعليمهم بشكل منتظم بسبب ظروف النزوح المستمرة".
 

"بقي من منزلي جدار واحد"

وتحدثت حنيفة محمد عن مشاهد الدمار التي رصدتها بنفسها خلال زيارتها الأولى لقريتها بعد سبع سنوات "جميع المنازل تعرضت للدمار. بعض البيوت بقي منها أجزاء بسيطة، لكن معظم منازل القرية دُمرت بالكامل. عندما وصلت إلى الطريق المؤدي إلى القرية توقفت ونظرت من بعيد، فلم أرَ من منزلي سوى جدار واحد. لم يبق من بيتنا إلا جدار قائم يشهد على حجم الوحشية والخراب الذي لحق به".

وأضافت "أردت زيارة قبور أقاربنا، لكننا لم نجرؤ على الاقتراب بسبب الألغام المتبقية. وقفت أمام الجدار، واستعدت ذكريات الماضي وبكيت، ثم تماسكت وتجولت في أرجاء المنزل الذي تحول إلى كومة من التراب. لقد أزال المسلحون المنزل بكل ما كان فيه من أثاث ومقتنيات مستخدمين الجرافات، وحولوه إلى تلة من الركام. أتذكر أننا بنينا إحدى غرف المنزل باستخدام 2500 قالب إسمنتي، واليوم لم يبق منها ولا حتى قالب واحد".

 

قرية مليئة بالألغام

وأشارت حنيفة محمد إلى أن المنازل لم تعد تحتوي على أبواب أو نوافذ أو حتى الأسقف "قام المرتزقة بهدم المنازل باستخدام المعدات الثقيلة، وسرقوا الحديد الموجود فيها، كما سرقوا كل ما يمكن الاستفادة منه، لتتعرض القرية لدمار واسع النطاق، وحتى الوصول إلى القرية لم يكن سهلاً، فقد اضطررنا لعبور قناة مائية للوصول إليها، لأننا لم نتمكن من استخدام الجسر لوجود ثلاثة ألغام أرضية مزروعة فيه".
 

مطالب لضمان عودة آمنة

وفيما يتعلق بمتطلبات العودة الآمنة، أكدت حنيفة محمد أنها تريد عودة آمنة لكنها تتساءل كيف وأين؟ "ما دامت القرية لم تُطهّر من الألغام، فإن العودة ستظل محفوفة بالمخاطر، كما أن القرية تحولت من أراضٍ زراعية وبساتين إلى مناطق كثيفة الأشجار والأعشاب، حتى إن المنازل لم تعد تُرى من بين النباتات، ولذلك يجب إرسال فرق هندسية متخصصة لإزالة الألغام وتعطيلها، كما ينبغي رفع أكوام الركام والتراب، لأن المنازل أصبحت مطمورة تحتها".

 

"يجب تعويض هذه العائلات"

وسلطت حنيفة محمد الضوء على أوضاع النازحين الذين دُمرت منازلهم بالكامل، مطالبة الحكومة المؤقتة والجهات المعنية بملف عودة النازحين باتخاذ خطوات جادة لتعويضهم "على الحكومة المؤقتة، أو الجهات العاملة على ملف العودة، أن تقدم لنا تعويضات. نحن لا نطلب قصوراً أو مباني فخمة، بل نحتاج إلى ما يساعدنا على بناء غرفتين فقط لنحمي أطفالنا من حر الصيف وبرد الشتاء".

وأكدت أنه "من دون تعويضات لن نتمكن من العودة إلى قريتنا، وإذا لم تُعامل قضيتنا بوصفها قضية خاصة تستحق المعالجة الجدية، فإن جهود إعادة النازحين ستبقى ناقصة وغير عادلة، فإلى أين سنعود؟ وعلى ماذا سنعيش؟ ظل جدار متبقٍ من التراب لن يحمي أطفالنا من حرارة الصيف ولا من أمطار الشتاء. لو بقي سقف لمنزلي لكنت عشت تحته، لكنه لم يعد موجوداً، كما أن أوضاعنا الاقتصادية لا تسمح لنا بإعادة البناء من جديد".

واختتمت حنيفة محمد حديثها بالقول أنه "إذا كانت الحكومة تعتبر نفسها مسؤولة، فعليها أن تقدم التعويضات اللازمة حتى نتمكن من إعادة إعمار منازلنا والعودة إلى حياتنا الطبيعية".