السوق النسائية في يكاولنغ... قصة صمود بعد الحرب
بين ذاكرة الفقد وتحديات الحياة، تواصل نساء مديرية يكاولنغ بأفغانستان، البحث عن سبل للعيش، مستندات إلى العمل والإصرار لمواجهة واقع اقتصادي واجتماعي بالغ الصعوبة.
بهاران لهيب
باميان ـ على الرغم من مرور أكثر من عقدين على واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ أفغانستان الحديث، لا تزال آثارها حاضرة في ذاكرة السكان وحياتهم اليومية.
في مديرية يكاولنغ بولاية باميان التي يقطنها بشكل رئيس أبناء الطائفتين السادة والهزارة، لم تقتصر تداعيات الحرب على الخسائر البشرية فحسب، بل امتدت لتشكل واقعاً اجتماعياً واقتصادياً جديداً، كانت المرأة في قلبه، بعدما وجدت نفسها تتحمل مسؤولية إعالة الأسرة وإعادة بناء الحياة من جديد.
فخلال الفترة الأولى من حكم حركة طالبان، شهدت المديرية واحدة من أكثر المجازر دموية في التاريخ المعاصر لأفغانستان، إذ قُتل أكثر من 350 مدنياً في عمليات إعدام جماعية. كما اضطر عشرات السكان إلى الفرار نحو الجبال المغطاة بالثلوج بحثاً عن النجاة؛ فمات بعضهم متجمدين من شدة البرد، بينما أُعدم آخرون رمياً بالرصاص بعد عودتهم.
ولم تقتصر المأساة على الضحايا الذين سقطوا، بل امتدت آثارها إلى النساء والأطفال الذين اضطروا إلى الاحتماء في الجبال لأيام متواصلة هرباً من المعارك والمواجهات المسلحة التي كانت تدور آنذاك بين حركة طالبان وحزب الوحدة في ولاية باميان ومديرية يكاولنغ.
لم تتوقف معاناة أهالي يكاولنغ عند حدود المجزرة نفسها، بل امتدت حتى بعد انتهائها. فقد منعت حركة طالبان، لمدة ثلاثة أيام، دفن جثث الضحايا، قبل أن يتمكن وجهاء المنطقة، بعد وساطات، من الحصول على موافقة لجمع الجثامين من موقع المجزرة ومختلف أنحاء المديرية ومواراتها الثرى. ومنذ ذلك الحين، ما تزال تلك الأحداث تمثل جرحاً مفتوحاً في ذاكرة السكان، وتلقي بظلالها على حياتهم حتى اليوم.
وفي خضم المواجهات التي دارت بين حركة طالبان وحزب الوحدة في باميان ويكاولنغ، لم يقتصر العنف على المجزرة وحدها. فبعد أن استعادت قوات حزب الوحدة السيطرة على المديرية، أُحرقت منازل عدد من الأهالي بدعوى تعاونهم مع طالبان. وبين انتهاكات هذا الطرف وذاك، ضاعت معاناة الضحايا وذويهم، ومن بينهم أم مير علي التي فقدت ابنها على يد طالبان في ظروف مأساوية.
ومع سقوط الحكومة الأولى لطالبان، عاد من بقي على قيد الحياة، وكان معظمهم من النساء والأطفال، إلى يكاولنغ ليبدأوا رحلة شاقة لإعادة بناء حياتهم بإمكانات محدودة. وبسبب مقتل أعداد كبيرة من الرجال خلال المجزرة، أصبحت النساء يتحملن مسؤولية إعالة أسرهن.
وفي مواجهة هذا الواقع، أدركت كثير من الأسر أن التعليم يمثل السبيل الوحيد لضمان مستقبل أفضل. ولذلك، عملت على إتاحة الفرصة للنساء لمواصلة دراستهن، حتى وإن كان ذلك بالتناوب بين أفراد الأسرة. وبعد سنوات من الدراسة، التحقت كثيرات منهن بسوق العمل، فعملن معلمات، وأستاذات جامعيات، وموظفات في المؤسسات الحكومية والمنظمات، وأسهمن على مدى عقدين في مختلف القطاعات الاجتماعية والاقتصادية، بعد أن انتزعن حقهن في التعليم والعمل بجهد كبير.
غير أن هذا المسار توقف بصورة مفاجئة مع عودة حركة طالبان إلى السلطة عام 2021. فقد استقبل سكان باميان هذا التحول بقلق عميق، إذ لم تغب عن ذاكرتهم المجازر التي شهدتها المنطقة ولا تدمير تماثيل بوذا التاريخية. ومع مرور الوقت، اعتاد السكان الواقع الجديد، لكن النساء كن الأكثر تضرراً من التغييرات التي فرضتها السلطات الجديدة.
فقد فقدت النساء اللواتي أمضين عشرين عاماً في الدراسة والعمل وظائفهن جميعاً تقريبا، رغم أن كثيرات منهن كن المعيلات الرئيسيات لأسرهن. وأدى حرمانهن من العمل إلى تدهور أوضاع مئات العائلات، ووضعها أمام تحديات اقتصادية ومعيشية قاسية.
ورغم هذه الظروف، لم تستسلم نساء يكاولنغ. فبحثاً عن مصدر دخل يحفظ لهن ولأسرهن الحد الأدنى من الاستقرار، أنشأن ركناً خاصاً داخل السوق المحلية أطلقن عليه اسم "السوق النسائية". بدأ هذا المشروع بعدد محدود من المحال، لكنه توسع تدريجياً مع مرور الوقت، ليصبح اليوم مساحة تعمل فيها عشرات النساء، اللواتي يعتمدن على ما يحققنه من دخل متواضع لتأمين احتياجات أسرهن ومواصلة مواجهة أعباء الحياة.
سوق يجمع العاملات في مكان واحد

وللاطلاع على أوضاع النساء العاملات في هذا السوق، أجرت وكالتنا لقاءً مع بسمة رضائي، وهي إحدى سيدات الأعمال في مديرية يكاولنغ، والتي تعمل في السوق النسائية منذ نحو عشر سنوات.
وتقول "أعمل في مجال الصناعات اليدوية وبيع الملابس، ومنذ قرابة عشر سنوات وأنا أزاول نشاطي في السوق النسائية. كانت أوضاعنا أفضل في السنوات الماضية، أما هذا العام فنواجه صعوبات كبيرة، حتى إننا نعاني من تأمين إيجار المحل".
وعن فكرة إنشاء السوق النسائية، أوضحت أن النساء كنّ يعملن سابقاً في محال متفرقة، قبل أن يتقدمن بطلب إلى البلدية لإنشاء سوق يجمعهن في مكان واحد "أردنا أن نعمل معاً في موقع واحد، ولذلك أنشئ هذا السوق. معظم زبائننا من أبناء المديرية، لكن في السنوات الماضية كان الأجانب أيضاً يقصدون السوق لشراء منتجاتنا".
وأشارت بسمة رضائي إلى أنها لم تقتصر على التجارة فحسب، بل عملت أيضاً في مجال التطريز بالتعاون مع إحدى المنظمات، في إطار دعم النساء وتمكينهن اقتصادياً.
وفي ختام حديثها، وجهت رسالة إلى النساء في أفغانستان، دعت فيها إلى الاعتماد على الذات وعدم الاستسلام للظروف "أنصح جميع النساء بأن يسعين إلى الوقوف على أقدامهن، وأن يكسبن رزقهن بجهد أيديهن ومن دون انتظار منّة من أحد، وأن يبدأن مشاريعهن الخاصة، ولو كانت صغيرة، لأنها قد تكون بداية لتجارة ناجحة ومستقبل أفضل".