العنف ضد المرأة... رؤى نسائية لصياغة طريقٍ آمن نحو الحل
مع تصاعد العنف ضد النساء في اليمن، تتقاطع شهادات ناشطات ومواطنات يمنيات لتكشف جذور المشكلة وسبل مواجهتها، بين التمكين والتعليم وتغيير المعتقدات الاجتماعية، وصولاً إلى تحديات العصر الرقمي وامتداد العنف إلى الفضاء الإلكتروني.
رحمة شنظور
اليمن ـ في المجتمع اليمني الذي يعيش ظروفاً استثنائية، يتسع الحديث عن العنف ضد المرأة، حيث ما تزال كثير من النساء يواجهن أشكالاً مختلفة من هذا العنف؛ بعضها ظاهر في الضرب والإيذاء الجسدي، وبعضها الآخر خفيّ في الكلمات الجارحة والضغوط النفسية أو حتى في الابتزاز عبر الفضاء الرقمي.
استطلاع لآراء عدد من النساء في اليمن يسلط الضوء على معاناة متعددة الأوجه، ويقدم رؤية نسائية عميقة لكيفية مواجهة العنف، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الحلول ممكنة إذا توفرت الإرادة المجتمعية والوعي الكافي، حيث تروي النساء تجاربهن المتناقلة ورؤاهن النابعة من واقعهن المعاش حول كيفية مواجهة هذه الظاهرة التي تهدد تماسك الأسرة والمجتمع بأسره، وتؤكد أن مواجهة العنف تبدأ أولاً بالوعي الفردي والجمعي، ثم بالتمكين الاقتصادي والمعرفي، وصولاً إلى تغيير جذري في النظرة المجتمعية القالبية للمرأة ودورها.
التمكين... سلاح المرأة الأول
تؤكد أطلال راجح، ناشطة يمنية في مجال حقوق المرأة، أن مناهضة العنف ضد النساء "ضرورة هامة" في عصرنا الحالي، وتشير إلى أن سبل المواجهة متعددة، غير أن أهمها يبقى "التمكين الاقتصادي والتعليم".
تقول إن "المرأة القادرة على الاعتماد على ذاتها والمتعلمة لسبل العصر، تصبح أقل عرضة للهشاشة التي تجعلها فريسة للعنف"، مضيفةً "النساء يشكلن جزءاً كبيراً من المجتمع وهناك نماذج نسائية ناجحة ومُلهمة، لكن ممارسة العنف ضدهن يحد من فاعليتهن ويضعف مشاركتهن في التنمية، وهو ما ينعكس سلباً على المجتمع ككل".
من زاوية أخرى، تقدم فتحية حسن، مواطنة يمنية، تحليلاً اجتماعياً لجذور المشكلة، مشيرة إلى أن المرأة تتعرض للعنف في معظم الأحيان بسبب "معتقدات المجتمع" وتضرب مثلاً بالفكرة الراسخة لدى بعض الأسر التي تتعامل مع المرأة على أنها "مجرد أداة لخدمة الرجل" وعندما تحاول المرأة أن تضع حدوداً أو تعبر عن تعبها، يقابلها الرجل بالتمادي الذي قد يتطور إلى "الضرب أو العنف اللفظي".
وترى أن التربية داخل الأسرة تلعب دوراً حاسماً في تشكيل وعي الأبناء، موضحة أن الاحترام المتبادل يبدأ من البيت "عندما تكون التربية سليمة، يدرك الرجل أن المرأة ليست أقل منه، وأن العلاقة بينهما قائمة على الاحترام".
وتشير إلى أن بعض الأسر ما تزال تنظر إلى المرأة باعتبارها مجرد أداة لخدمة الرجل، الأمر الذي يفتح الباب لممارسات عنيفة قد تكون جسدية أو لفظية "العنف ليس بالضرورة أن يكون ضرباً، فالكلمات الجارحة أحياناً تكون أشد قسوة من الضرب".
ورغم ذلك، تؤكد فتحية حسن أن العلاقة بين الرجل والمرأة يجب أن تقوم على الشراكة والتكامل "الرجل شريك المرأة، ولا يمكن لأي مجتمع أن يستقيم إذا كانت العلاقة بينهما قائمة على العنف أو الإقصاء".
عندما ينتقل العنف إلى الفضاء الإلكتروني
من جهتها، تشير شفاء محمد، طالبة إعلام، إلى أن مواجهة العنف تبدأ بوعي المرأة بذاتها وقدرتها على تطوير نفسها، مؤكدة أهمية التعليم والتوعية في بناء شخصية قوية قادرة على مواجهة التحديات "اليوم لم يعد العنف يقتصر على الواقع فقط، بل أصبح يمتد إلى الفضاء الإلكتروني، مثل الابتزاز عبر مواقع التواصل الاجتماعي".
وترى أن تمكين المرأة بالمعرفة والمهارات هو الطريق الأهم لحمايتها "من المهم توعية المرأة حول كيفية مواجهة صعوبات الحياة، وأن تكون قوية نفسياً، بحيث لا تسمح لأي شيء بأن يدمرها".
في النهاية، تبقى قضية العنف ضد المرأة في اليمن معركة يومية تخوضها نساءٌ اخترن أن يكنّ جزءاً من الحل لا مجرد ضحايا ينتظرن الخلاص.
ما قالته أطلال وفتحية وشفاء خريطة طريق واضحة المعالم تبدأ بالتمكين الاقتصادي والتعليم، وتمر بتربية الأبناء على قيم الاحترام والشراكة، ولا تغفل عن مواكبة تحديات العصر الرقمي وحماية المرأة من الابتزاز الإلكتروني.
غير أن المسؤولية لا تقع على المرأة وحدها فالمجتمع اليمني برمته مدعو إلى مراجعة حساباته، وإلى إدراك أن مناهضة العنف ضد المرأة هي استثمار في مستقبل البلد ككل، فالمرأة التي تشكل نصف المجتمع، وأكثر في ظل ظروف الحرب والنزوح، هي شريك أساسي في البناء والتنمية، وأي عنف يُمارس ضدها هو في المحصلة عنف ضد استقرار الوطن وتقدمه.