العنف الأسري ضد الفتيات معضلة مستمرة تتطلب حلولاً عاجلة

تُظهر حوادث قتل الفتيات داخل الأسر الجزائرية تصاعداً خطيراً في العنف الأسري، كاشفةً هشاشة آليات الحماية وضعف التدخل المبكر، مسلطة الضوء على الحاجة الملحة لتعزيز حماية القاصرات وتفعيل آليات التبليغ.

رابعة خريص

الجزائر ـ لم يكن شهر نيسان/أبريل 2026 شهراً عادياً، حيث وثقت جمعيات نسوية جزائرية استمرار جرائم قتل النساء حيث قتلت 7 نساء بينهن فتيات قتلن على يد آبائهن وهو ما يثير تساؤلات ملحة أهمها: ما هي أسباب ودوافع الجرائم داخل الأسرة وهي التي من المفروض أن تؤسس للسلوكيات السوية والصحة النفسية في المجتمع ككل؟ وما ملامح وخصائص المجرم والضحية وانعكاسات وتداعيات الجريمة على المحيط الأسري؟

خلال الفترة الممتدة من 2 إلى 28 نيسان/أبريل المنصرم، تم إحصاء 7 جرائم قتل حدثت داخل الأسر الجزائرية، وبين الضحايا فتاتين في سن الزهور، ففي أوائل الشهر الفائت اهتزت مدينة باتنة على مأساة أسرية حيث أقدم أب في العقد الرابع من عمره على قتل ابنته وإحراق أخرى تتواجد حالياً في مصلحة الإنعاش.

 

قصص مأساوية

تعود وقائع الجريمة بحسب المعلومات المتداولة إلى قيام الجاني بتوجيه دعوة لابنتيه اللتان كانتا تتواجدان في منزل خالهما، حيث أرادتا العيش هناك بعد وفاة والدتهما وزواج والدهما مجدداً، وقد أقدم على قتل ابنته الصغرى البالغة من العمر 12 عاماً، وقطعها ودفنها في شرفة منزله، بينما أضرم النار في الطفلة الثانية البالغة 8 سنوات التي تمكنت من الهروب نحو أقرب مركز شرطة للتبليغ عن الجريمة.

المأساة الأسرية الثانية وقعت ببلدة الشط، إذ أقدم أب على قتل ابنته البالغة من العمر حوالي 17 عاماً تدرس في مرحلة التعليم الثانوي وكانت تستعد لاجتياز امتحانات شهادة البكالوريا، وقد وقعت الجريمة داخل منزل العائلة حيث قام الأب بضرب ابنته ضرباً مُبرحاً مما أدى إلى وفاتها.

وفي نهاية كانون الثاني/يناير الماضي، اهتزت بلدة سيدي عكاشة في مدينة الشلف على جريمة أحدثت صدمة قوية في أوساط المجتمع النسوي والناشطين الحقوقيين الذين طالبوا بتفعيل حماية عاجلة للقاصرات المعرضات للخطر، الإيواء الفوري، والإبعاد الفعلي لمرتكب العنف والتفعيل الفوري لآليات حماية الطفولة، ويتعلق الأمر بأسماء أميمة مومنة البالغة من العمر ستة عشر سنة والتي قتلت على يد والدها باستخدام "المدراة" (أداة فلاحية حادة)، إذ انهال عليها بالضرب مسبباً لها إصابات وتشوهات بليغة وخطيرة في كامل أنحاء جسدها.

مأساة حنان وأميمة تذكرنا بمآسي أسرية كثيرة لا تقل فظاعة، أهمها قصة الشقيقتين إيمان بونويفة البالغة من العمر 26 عاماً وهي طالبة في علم النفس، وشقيقتها الصغرى ملاك بونويفة (18 عاماً)، فارقتا الحياة على يد والدهما، وكانت هذه الجريمة الشنعاء هي تكملة للجريمة الأولى التي ارتكبت قبل 16 عاماً من هذا التاريخ، إذ قتل زوجته، في العقد الثالث من عمرها، والتي كانت حامل في شهرها الثامن، إذ فارقت الحياة أمام مرأى ابنتيها إيمان التي كانت تبلغ من العمر 11 عاماً وملاك 3 سنوات، وبعد خروجه من السجن، اضطرت الشقيقتان للعودة إلى العيش مع والدهما القاتل تحت سقف واحد، لكنهما لم تكونا تعلمان أنهما سيواجهان نفس سيناريو والدتهما.

 

ظاهرة ليست بجديدة

جرائم قتل الفتيات كما حدث مع حنان وأميمة وإيمان وملاك، ليست مجرد "أحداث عرضية" أو "مآسي معزولة" بل تكشف بوضوح عن أخطار وعواقب تراكم العنف داخل الفضاء الأسري حيث يفترض أن تصل الحماية إلى أقصى مستوياتها.

وفي تحليلها للعوامل المؤسسية التي تدعم انتشار هذه الظاهرة، تقول سمية غزولي المستشارة الأسرية والناشطة النسوية إن "هذه الظاهرة ليست جديدة في المجتمع، بل هي امتداد لسنوات طويلة، لكن هناك اختلاف بين الماضي والحاضر ففي السابق كانت حالات التعنيف لا سيما بالنسبة للفتيات القاصرات تبقى حبيسة الجدران بسبب التهديد والخوف أو الضغوط العائلية التي تفرض الصمت للحفاظ على سمعة الأسرة أو غياب قنوات التبليغ".

أما اليوم، فترى أن مواقع التواصل الافتراضي "كسرت الصمت حول العنف خاصة الأسري والنوعي ما أعطى انطباعاً بارتفاع الظاهرة"، لكن لا يمكن على حد قولها إنكار وجود بعض العوامل التي ساهمت فعلاً في تفاقمها مثل: الضغوطات الاجتماعية والاقتصادية التي تعتبر بمثابة محركات رئيسية للعنف، إضافة إلى ضعف آليات الحماية والردع انطلاقاً من تصديق أقوال الشاكيات، والتعامل مع كل إنذار بجدية من أجل ضمان سلامتهن وهي نفس المطالب التي تقدمت بها سابقاً مجموعة "لا لقتل النساء في الجزائر"، "المؤسسة من أجل ترقية الحقوق"، إذ شددت على ضرورة تفعيل حماية عاجلة للقاصرات المعرضات للخطر من خلال ضمان الإيواء الفوري والإبعاد الفعلي لمرتكب العنف والتفعيل الفوري لآليات حماية الطفولة.

 

ما المطلوب اليوم؟

وفقاً لإحصائيات مجموعة "لا لقتل النساء في الجزائر" فقد تم إحصاء أكثر من 394 جريمة قتل للنساء منذ عام 2018، مع تأكيد المجموعة أن هذا العدد يمثل الحد الأدنى والرقم الحقيقي للضحايا في البلاد أعلى بكثير بسبب صعوبة الوصول إلى باقي الحالات وإحصائها.

وتشير سمية غزولي إلى عامل آخر لا يقل أهمية عن باقي العوامل والمتمثلة في "ذهنية المجتمع والثقافة الذكورية التي لاتزال تستخدم في بعض البيئات للسيطرة على الفتيات، ومن أبرز التبريرات التي تعتمده لتشريع العنف هي أن الفتاة هي من تدفع والدها وشقيقها لممارسة العنف ضدها"، واستحضرت أكثر العبارات تداولاً "هي واش دارت" أي (ما الخطأ الذي ارتكبته الفتاة)، ولذلك تقول إن "البيئة المحيطة تلعب دوراً بارزاً في تغذية هذه الظاهرة وتعزيز السلوكات العدوانية".

وفي تحليلها العميق للقصور الموجود في منظومة الحماية، تقول إن "الإشكال لا يكمن في وجود القوانين بل في التطبيق الفعلي لها على أرض الواقع، إضافة إلى نقص آليات التبليغ والحماية الفورية".

وتؤكد سمية غزولي على ضرورة تعزيز آليات الحماية القانونية من خلال التطبيق الصارم للقوانين وتسريع في إجراءات التبليغ والتكفل بالضحايا مع ضمان حمايتهن من الضغوطات والتهديدات، مشددة على أهمية توفير فضاءات آمنة وخلايا إصغاء وذلك للحد من العنف وحماية الفئات الهشة لا سيما الفتيات.