الحرب على الوعي... تصعيد ممنهج للتضليل الإعلامي يستهدف مناطق روج آفا

تتصاعد الحملات المنظمة عبر الإعلام ومنصات التواصل التي تسعى لتزييف الوقائع وتشويه رموز الثورة وإضعاف الثقة بالمؤسسات المحلية، وتعميق الانقسامات بين المكونات خدمةً لأجندات سياسية إقليمية ودولية.

أسماء محمد

قامشلو ـ قالت أفين إبراهيم الرئيسة المشتركة لاتحاد الإعلام الحر في قامشلو، إن المعركة الدائرة اليوم لم تعد عسكرية فقط، بل انتقلت إلى وعي المجتمع وإدراكه، حيث تستخدم الروايات المفبركة وإعادة تفسير الأحداث كوسيلة للتأثير على مواقف الناس وإعادة تشكيل نظرتهم لما يجري في المنطقة.

في ظل تصاعد الصراعات الإقليمية والدولية وتداخل مشاريع النفوذ في المنطقة، لم يعد الصراع في سوريا يقتصر على الجبهات العسكرية أو خطوط التماس، بل باتت ساحة الوعي العام نفسها ميداناً مفتوحاً للمواجهة. ومع تعدد الفاعلين الدوليين والإقليميين، تحوّل التضليل الإعلامي إلى أداة استراتيجية متقدمة تستخدم لإعادة تشكيل الإدراك الجمعي، والتأثير في مواقف المجتمعات، وإعادة تعريف الضحية والجلاد وفق مصالح سياسية محددة.

وفي روج آفا، حيث تواجه تجربة الإدارة الذاتية والمجتمعات المحلية تحديات وجودية مركبة، استُخدم الإعلام بشكل ممنهج كوسيلة لإعادة صياغة الوقائع، وتبرير الانتهاكات، وصناعة سرديات بديلة تخدم أجندات إقليمية ودولية تسعى لإضعاف التجربة وتقويض مشروعها المجتمعي.

 

استهداف النسيج المجتمعي عبر الفضاء الرقمي

أكدت أفين إبراهيم الرئيسة المشتركة لاتحاد الإعلام الحر في مدينة قامشلو, أن الفترة الأخيرة شهدت تصعيداً واضحاً ومنظماً في الحرب الإعلامية، مشيرة إلى أن الاستهداف لم يعد محصوراً بالإعلام أو القنوات الفضائية، بل انتقل بشكل مكثف إلى الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الافتراضي التي أصبحت الساحة الأوسع والأكثر تأثيراً في تشكيل الرأي العام، موضحة أن هذه المنصات تستخدم لنشر الأكاذيب والشائعات بشكل متكرر ومدروس، ولبث خطاب الكراهية والتحريض على الانقسامات بين المكونات الكردية والعربية والسريانية وبقية مكونات المنطقة، بهدف ضرب أسس التعايش المجتمعي الذي تشكل خلال سنوات طويلة من العمل المشترك.

وبينت أن التضليل الإعلامي اليوم لم يعد مجرد نقل معلومات مغلوطة، بل تحول إلى منظومة متكاملة تعتمد على تقنيات متقدمة في صناعة الرواية السياسية، تقوم على تحريف الحقائق، واجتزاء الوقائع، وإعادة إنتاج الجلادين كضحايا والضحايا كجلادين، مشيرة إلى أن الهدف من ذلك هو إرباك الرأي العام، وتوليد الشك لدى المجتمع تجاه مؤسساته، وخلق حالة استقطاب عميقة داخل البنية الاجتماعية.

كما لفتت إلى أن الحرب الإعلامية لم تعد تقتصر على الأخبار أو التقارير، بل تشمل إنشاء جيوش إلكترونية منظمة تدير حملات موجهة بدقة، تستهدف الشخصيات السياسية والمدنية والنسائية، وتحاول النيل من رموز الثورة وتشويه صورتها أمام الرأي العام المحلي والخارجي.

وأوضحت أن الهجمات الإعلامية المتواصلة على روج آفا لا تأتي بشكل عشوائي، بل هي ضمن استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وزرع الشك المتبادل بين المكونات المختلفة، وإضعاف الثقة بالمؤسسات المحلية، سواء كانت إعلامية أو مدنية أو خدمية أو سياسية.

وأشارت إلى أن هذه الحملات تتزامن غالباً مع التطورات العسكرية والأمنية في المنطقة، خاصة في ظل التوترات المستمرة مع الدولة التركية وما شهدته المنطقة من عمليات عسكرية واحتلال لمدن مثل عفرين وسري كانييه وكري سبي، حيث يجري توظيف الإعلام لتبرير الوقائع الميدانية وإعادة تقديمها بصورة مغايرة للحقيقة.

كما شددت على أن التجربة السورية خلال السنوات الماضية قدمت نموذجاً واضحاً لكيفية استخدام الإعلام لتبرير الانتهاكات ضد المدنيين، وتصوير الحركات الشعبية المطالبة بالحقوق على أنها مشاريع فوضى أو مؤامرات دولية، مؤكدة أن المرحلة الحالية تمثل نسخة أكثر تعقيداً وخطورة من تلك السياسات، حيث يتم استهداف الرموز الثورية والقيادات النسائية والمكتسبات الإنسانية والسياسية، في محاولة لإفراغ التجربة من مضمونها وإضعاف حضورها الأخلاقي والسياسي أمام المجتمع والرأي العام العالمي.

 

الإعلام الحر كدرعٍ مجتمعي في مواجهة الحروب المعلوماتية

وأوضحت أفين إبراهيم أن "وسائل الإعلام في روج آفا تمثل نموذجاً للإعلام الحر القائم على أخلاقيات الحقيقة والمسؤولية المجتمعية واحترام التنوع والديمقراطية"، مشيرة إلى أن هذا النوع من الإعلام يشكل خط الدفاع الأول عن المجتمع في مواجهة التلاعب بالمعلومات "الإعلام الحر لا يقتصر دوره على نقل الخبر، بل يتعداه إلى حماية الوعي العام ومنع تزييف الوقائع وضمان وصول المعلومات الدقيقة دون تحريف أو توجيه سياسي خفي".

ولفتت إلى أن مسؤولية مواجهة التضليل لا تقع على عاتق الإعلاميين فقط، بل تشمل المجتمع بأكمله، مؤكدة ضرورة رفع مستوى الوعي المجتمعي، وتطوير مهارات التحقق من الأخبار، وقراءة السياسات الإعلامية بشكل نقدي، وعدم الانجرار وراء الحملات المنظمة. مشددة على أن أخطر ما في الحروب المعلوماتية هو قدرتها على خلق واقع نفسي بديل يضعف ثقة الناس بأنفسهم وبمحيطهم وبمؤسساتهم، الأمر الذي يؤدي تدريجياً إلى تفكك داخلي أخطر من أي مواجهة عسكرية مباشرة.

واختتمت الرئيسة المشتركة لاتحاد الإعلام الحر في قامشلو أفين إبراهيم حديثها بالقول إن التضليل الإعلامي لا يستهدف الحقيقة فحسب، بل يستهدف عقل المجتمع وذاكرته الجماعية وروحه المعنوية، مؤكدة أن الإعلام الحر ليس ترفاً سياسياً ولا خياراً ثانوياً، بل ضرورة استراتيجية لحماية المجتمع وصون المكتسبات وضمان استمرارية الاستقرار، مضيفة أن المجتمع الواعي والإعلام المهني المتيقظ يشكلان معاً الحصن الأقوى في مواجهة أي حرب معلوماتية تسعى لتزييف الوعي الجماعي وتقويض التجارب الديمقراطية، وأن مسؤولية نقل الحقيقة والدفاع عنها تقع على عاتق كل من يؤمن بقيمة الحرية والعدالة وحق الشعوب في معرفة ما يجري حولها دون تلاعب أو تضليل.