الهجرة العكسية في إيران... عقبات اجتماعية أم قيد يخنق النساء؟

تدفع الإيجارات المرتفعة وأعباء تكاليف المعيشة النساء اللواتي يعلن أسرهن إلى الانتقال من منازل صغيرة إلى أطراف المدينة، وصولاً في نهاية المطاف إلى القرى النائية؛ وهي هجرة قسرية تزيد من حدة الفقر والقيود وانعدام المساواة.

سارة بورخزاري

كرماشان ـ تُعد الهجرة العكسية ظاهرة اجتماعية معقدة، لكنها تتحول بفعل الفقر والقيود إلى حلقة تضيق حول أعناق النساء، حيث يواجهن وحدهن تبعات النزوح وفقدان الاستقلالية وسحق الطموح في بيئات غارقة في الأزمات.

انتقلت من مساحة 80 متراً مربعاً إلى 60، ثم إلى 40 متراً؛ والآن باتت تبحث باستمرار عن مسكن أصغر من ذلك، لكنها لا تجد شيئاً ولا حتى في أقصى أطراف المدينة، كانت تقول "لقد وصل بي الحال إلى درجة قد أضطر فيها لاستئجار مكان لا أستطيع فيه حتى الوقوف منتصبة القامة".

هذه قصة امرأة تنحدر مستويات معيشتها يوماً بعد يوم مع تصاعد التضخم، حيث تشهد تقلصاً مستمراً في وجباتها ومسكنها ومصدر رزقها، في علم الاقتصاد عندما يرتفع التضخم وتفوق النفقاتُ الدخل تكون ردة الفعل الأولية هي التراجع، أي محاولة درء الفقر المدقع ولو لفترة وجيزة، ولكن كيف تعمل هذه الآلية؟ فيما يتعلق بالغذاء ومع ارتفاع الأسعار تُستبدل الأسر السلع ببدائل أرخص؛ فعلى سبيل المثال قد تتحول من استهلاك اللحوم الحمراء إلى الدجاج، ومن ثم من الدجاج إلى منتجات الصويا.

 

عندما تدفع الإيجارات النساء لمغادرة المدينة

في مدينة كرماشان تدفع الإيجارات المرتفعة النساء اللواتي يعلن أسرهن إلى الانتقال لمنازل أصغر تقع في مناطق نائية عند أطراف المدينة؛ وهو اتجاه يضطرهن أحياناً إلى مغادرة المدينة تماماً والهجرة إلى القرى، تروي (كوبرا. ز) وهي امرأة تعيل أسرتها واضطرت للانتقال منذ فترة بسبب أعباء الإيجار ونفقات المعيشة الأخرى، قصتها قائلة "كنا نعيش في البداية في حي 'ماسكان' لكن الضغوط الاقتصادية أجبرتنا على الانتقال إلى منزل أصغر في منطقة أقل ثراءً لتدبير أمورنا المعيشية، انتقلنا إلى حي 'أناهيتا' ولاحقاً وبسبب استمرار الصعوبات ذاتها - إلى 'كارناتشي' أما الآن فقد أجبرنا ارتفاع تكاليف الإيجار والغذاء على الانتقال إلى قرية إذ لم تعد الحياة في المدينة ممكنة، لقد استأجرتُ منزلاً في قرية 'قازانشي' الواقعة على أطراف مدينة كرماشان منذ فترة، ومع ذلك فحتى مع العيش في القرية أشعر أنني سأضطر للانتقال إلى قرية أكثر بعداً في العام المقبل، نظراً لتزايد وطأة هذه النفقات".

في السنوات الأخيرة، دفعت الضغوط الاقتصادية بعض النساء اللواتي يعلن أسرهن إلى القيام بـ "هجرة عكسية"، أي الانتقال من المدن إلى بلدات وقرى أصغر، وقد أدى نقص فرص العمل والتعليم ووسائل النقل في هذه المناطق إلى التأثير سلباً على ظروفهن المعيشية وعلى قدرتهن وقدرة أطفالهن على الحصول على الخدمات الأساسية.

تروي (راضية. س) وهي امرأة تعيل أسرتها وكانت تقيم في "قصر شيرين" لفترة قبل أن تضطر للعودة إلى قرية قرب "ثلاث باباجاني" قصتها قائلة "عدتُ من قصر شيرين إلى قريتي الأصلية منذ فترة لأنني لم أعد قادرة على تحمل تكاليف المعيشة في المدينة، أعيش الآن في غرفة صغيرة بساحة منزل والدي، وعلي العمل لتأمين احتياجاتي المعيشية؛ غير أن العمل الوحيد المتاح في القرية يقتصر على إزالة الأعشاب الضارة والعمل الزراعي، لم أتمكن من إرسال ابنتي الكبرى البالغة من العمر 18 عاماً إلى الجامعة؛ فقريتنا بعيدة جداً عن المدينة ولا تتوفر وسائل نقل لنقلها إلى هناك، ورغم أن المدن توفر مزايا وخدمات أكثر، إلا أن ارتفاع تكاليف المعيشة والضغوط الاقتصادية يجعل البقاء فيها أمراً مستحيلاً".

 

حين يتشابك النوع الاجتماعي مع الفقر

تركز المصادر والبيانات الإحصائية في إيران عند تحليلها لظاهرة "الهجرة العكسية"، أي انتقال الأسر من المدن الكبرى عودةً إلى البلدات الصغيرة أو القرى بشكل عام على الظروف الاقتصادية وتحديات كسب العيش، ومع ذلك فإن الواقع يشير إلى أن هذه الظاهرة ليست مجرد قضية اقتصادية بحتة بل يلعب النوع الاجتماعي دوراً حاسماً فيها أيضاً؛ فالنساء ولا سيما المعيلات لأسرهن يتأثرن بشكل غير متناسب بهذه الهجرة وتبعاتها.

وتعلق (ميترا. غ) وهي طالبة في علم الاجتماع على ذلك "تعني ديناميكيات النوع الاجتماعي في سوق العمل أن الأولوية في التوظيف تُمنح باستمرار للرجال في مختلف القطاعات؛ ونتيجة لذلك تكون النساء أول من يُستبعد من القوة العاملة، إن غياب فرص العمل للنساء يعني عدم توفر دخل مستقل لهن، مما يجعلهن أكثر عرضة للضغوط الاقتصادية مقارنة بالرجال، وفي نهاية المطاف تدفع هذه الضغوط النساء نحو 'الهجرة العكسية'، وهي خطوة لا تتم عن اختيار، بل بدافع الضرورة والعجز عن مواصلة العيش في المدينة، فالعديد من النساء اللواتي هاجرن سابقاً إلى المدن الكبرى سعياً وراء التعليم أو العمل أو الاستقلال المالي يجدن أنفسهن الآن مضطرات للعودة إلى أماكن إقامتهن الأصلية بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية، وبناءً على ذلك تحولت الهجرة العكسية بالنسبة للنساء اللواتي يترأسن أسرهن والشابات اللواتي انتقلن إلى المدن بحثاً عن مستقبل أفضل، إلى دوامة من العودة القسرية وهي دوامة تزيد من تقويض استقلاليتهن وأمنهن.

ويكشف تحليل هذه القضية أن الهجرة العكسية في السنوات الأخيرة ليست مجرد نتيجة للظروف الاقتصادية، بل هي ظاهرة ذات أبعاد جندرية تؤثر بشكل غير متناسب وعميق على النساء؛ وهنّ الفئة التي تتحمل العبء الأكبر لأي تحول في الهياكل الاجتماعية والاقتصادية.