الذكاء الاصطناعي يغيّر صناعة الموسيقى ويطرح أسئلة حول مستقبل الفن والهوية

يشهد عالم الموسيقى تحولاً متسارعاً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى مجالات الإنتاج والتأليف والأداء، ما يفتح آفاقاً جديدة، لكنه يثير في المقابل تساؤلات حول أصالة الأعمال وحقوق الفنانين ومستقبل الإبداع البشري.

سوركل شيخو

قامشلو ـ مع التطورات التكنولوجية، ولا سيما ظهور الذكاء الاصطناعي في الآونة الأخيرة، شهد القرن الحادي والعشرون تغييرات كبيرة في صناعة الموسيقى والغناء، ووفقاً للدراسات، فإن 44 في المئة من الأغاني التي يُستمع إليها حالياً في العالم جرى إنتاجها بواسطة الذكاء الاصطناعي.

لم يعد خطر الذكاء الاصطناعي في مجال الغناء مقتصراً على تغيير أساليب الإنتاج، بل أصبح تهديداً وجودياً للهوية الفنية للشعوب، ولعمل الإنسان وللمنظومة القانونية، وقد يثير استخدام الذكاء الاصطناعي لأعمال الفنانين، خصوصاً في تدريب النماذج أو إنتاج أعمال مشابهة، إشكالات تتعلق بحقوق الطبع والنشر وملكية الأعمال، ولا سيما عندما يتم استخدام المحتوى المحمي من دون ترخيص أو موافقة أصحاب الحقوق.

وتزداد مخاطر الذكاء الاصطناعي على الشباب والشابات، ولا سيما تأثيره في مشاعرهم وأفكارهم ونظرتهم إلى الحياة فالذكاء الاصطناعي لم يعد اليوم مجرد أداة، بل أصبح جزءاً من الحياة اليومية للجيل الشاب، وهو ما يترك تأثيرات عميقة في نفسيتهم وعالمهم الداخلي.

ورغم أن الذكاء الاصطناعي يوفر إمكانات جديدة على المستوى التقني، فإنه يشكل خطراً على الأصالة في مجال الفن والعمل الإنساني والمشاعر الحقيقية، ويترك آثاراً سلبية في الروح والعمق والفن الحقيقي.

وتقول إدارية كومين الموسيقى في حركة ميزوبوتاميا للثقافة والفن في روج آفا نيروز سليمان، إن التطورات الحاصلة ليست كافية لكنها ليست قليلة أيضاً "يعمل فنانو روج آفا على تطوير أنفسهم وإنتاج أعمالهم يوماً بعد يوم، لكن ذلك لا يزال غير كافٍ، ومن جهة أخرى، هناك عرقلة متعمدة، ولا ينبغي أن ننسى مدى تأثير حرب إبادة الثقافة والفن الكرديين، وصولاً إلى الكلمات والأغاني".

وأكدت أنه رغم كل هذه الهجمات الهادفة إلى الإبادة "هناك موقف وإصرار على تطوير أنفسنا بما يتناسب مع أصالة الفن الكردي، وألا نسمح بإبادته وانتهاكه، وتُتخذ خطوات فنية تتناسب مع المسار الذي يمر به شعب روج آفا، لكن لا توجد بعد خطوة مستدامة، فنحن بحاجة إلى خطوات تجعل الفن إنتاجاً وعملاً مستداماً".

وقالت نيروز سليمان إن هناك نمطاً فنياً يؤثر سلباً على أهالي المنطقة وخاصةً الجيل الشاب "ما يؤثر في وعي الشباب هو الاستماع إلى الأغاني التي أُنتجت بواسطة الذكاء الاصطناعي، لقد نشأ الكرد على ثقافة أصيلة ذات معايير راسخة، وسنسعى إلى الحد من التأثير على شبابنا، لكن البداية تكون من النساء والأمهات، ثم تمتد إلى المؤسسات والجهات الفنية العليا. يجب ألا تسمح الأمهات لأطفالهن بالابتعاد عن النهج الكردي".

 

"الذكاء الاصطناعي بعيد عن أصالة المشاعر الكردية"

وأوضحت نيروز سليمان أن شعوب الشرق الأوسط تنتمي إلى مجتمعات ذات حضارات تعد من أقدم الحضارات الإنسانية، وفيما يتعلق بالخطوات التي ينبغي اتخاذها قالت "يجب ألا نتأثر بالثقافة الغربية فالأشياء التي تُنتج بلا أساس حقيقياً، والذكاء الاصطناعي، كما يدل اسمه، سيبقى شيئاً "مصطنعاً"، ولا يمكن أن يكون بيتنا أو مجتمعنا أو فننا، ولا يمثل ثقافتنا وأصالتنا، وبدلاً من أن يفيد الثقافة، فإنه يدمرها، ومن الإعلام إلى المدارس، يجب على المهتمين بالفن أن يتحركوا، وألا نسمح للذكاء الاصطناعي بأن يدخل مثل خلية سامة إلى قلوب وعقول أطفالنا وشبابنا، وأن ينشئهم وفق الثقافة الغربية".

 

"من يصنع الفن بالذكاء الاصطناعي لا يصبح فناناً"

وقالت نيروز سليمان إن الذكاء الاصطناعي صنع روبوتين يتمتعان بالصوت والصورة ويمكنهما غناء الأغاني، لكنها أكدت أن هذا الأمر لا يمكن أن يكون طبيعياً "عندما تستمع إليهما، لا تتأثر، لأنهما ليسا بشراً ذوي مشاعر. اليوم، يمكن لأي شخص أن يقول: أنا فنان، وقد صنعت أغنية أو قصيدة، بينما تكون جميع أعماله من إنتاج الذكاء الاصطناعي ومن دون فكر. الفنان هو من يبحث ويتعب ويبذل الجهد ليلاً ونهاراً حتى ينتج عملاً".

 

الابتعاد عن المقومات والأصول الطبيعية

ولفتت نيروز سليمان الانتباه إلى التطور المتسارع للتكنولوجيا وتأثيره المتزايد في الجيل الشاب "أطفالنا ينتمون إلى الأجيال الحالية، وهم يكبرون يوماً بعد يوم مع تطور التكنولوجيا، وما يخيفنا هو تأثرهم بها. يقول أطفالنا (ما لم يكن بإمكانكم فعله في سن الخمسين، يمكننا نحن فعله خلال دقيقة)، لذلك يجب على الأمهات والآباء أن ينتبهوا إلى تلك الدقيقة التي يتحدث عنها أطفالنا فهذا لا يخدم مستقبلنا ومجتمعنا".

وتؤكد أن المجتمع يمتلك ثقافة أصيلة، وأنه من الضروري تربية الأطفال على هذه الثقافة "لأن قصصنا وأساطيرنا التاريخية انتقلت منذ بدايات البشرية عبر الفن الشعبي إلى يومنا هذا، وظلت محفوظة دائماً، لذلك سنواصل السير على هذا الطريق، وسنعلّم أطفالنا أيضاً الفن الذي تعلمناه منهم، وأرغب في أن يأتي يوم أغني فيه على المسرح، مثل عائشة شان، أغانيها بصوتي، ولهذا أبذل الكثير من الجهد".

ووجهت نيروز سليمان رسالة إلى الأطفال الذين اعتادوا منذ الصغر، وهم في المهد، الاستماع إلى الأغاني الكردية وأغاني الأمهات، قائلةً "علينا أن نعود إلى أمهاتنا. يجب أن نوجّه أطفالنا إلى المعاهد الفنية الموجودة في روج آفا، وأن نتمكن من حماية فننا وهويتنا الكردية بطريقة أكاديمية وعلمية، وأن يصبحوا فنانين في مجتمعهم".