الذكاء الاصطناعي... هل يعزز مكانة النساء في سوق العمل أم يهدد وظائفهن؟

لا يبدو الذكاء الاصطناعي مجرد ثورة تقنية تعيد تشكيل طريقة العمل والإنتاج، بل بات تحولاً عميقاً يفرض أسئلة مقلقة حول مستقبل الوظائف واستقرار العاملين فيها، ولا سيما النساء.

تمني السروي

بغداد ـ في الوقت الذي تفتح فيه هذه تقنيات الذكاء الاصطناعي أبواباً جديدة للعمل وتمنح النساء أدوات أسهل لدخول سوق العمل، فإنها تحمل في المقابل تحديات لا يمكن تجاهلها، تبدأ من احتمال فقدان بعض الوظائف، ولا تنتهي عند الحاجة المتزايدة إلى اكتساب مهارات رقمية جديدة. ويطرح هذا التحول سؤالاً أساسياً: هل يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة حقيقية لتمكين النساء اقتصادياً، أم أنه قد يتحول إلى عامل جديد يهدد استقرارهن المهني ويزيد من هشاشة بعض الفئات في سوق العمل؟

في هذا الإطار، أكدت الدكتورة فرح عبد الكافي، المختصة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، أن التطور المتسارع في أدوات الذكاء الاصطناعي غيّر شكل سوق العمل بصورة جذرية، وخلق فرصاً غير مسبوقة أمام النساء لدخول مجالات مهنية جديدة دون الحاجة إلى رأس مال كبير أو خبرات تقنية معقدة، مشيرة إلى أن إتقان هذه الأدوات أصبح اليوم ميزة تنافسية حقيقية لكل امرأة تبحث عن فرصة عمل أو ترغب في إطلاق مشروعها الخاص.

 

فرص جديدة بمهارات أسهل

وأوضحت أن العديد من المهن كانت تتطلب سنوات من التعلم والدورات التدريبية المكلفة، إضافة إلى العمل داخل شركات أو مؤسسات متخصصة، إلا أن أدوات الذكاء الاصطناعي اختصرت الكثير من هذه المراحل، وجعلت اكتساب المهارات والإنتاج أكثر سهولة، ما فتح الباب أمام شريحة واسعة من النساء لخوض سوق العمل بثقة أكبر.

وأضافت أن أعمالاً مثل تصميم الإعلانات والمنشورات، وإنتاج المحتوى، وتحرير الصور والفيديوهات، أصبحت اليوم ممكنة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التي يمكن تعلمها خلال فترة قصيرة، مما يمكّن المرأة من إنجاز هذه المهام بنفسها دون الحاجة إلى تكاليف مرتفعة أو خبرات تقنية معقدة.

وأكدت أن الاعتقاد السائد بأن الذكاء الاصطناعي مخصص للمبرمجين أو المتخصصين في علوم الحاسوب لم يعد صحيحاً، إذ إن أغلب الأدوات الحالية صُممت لتكون سهلة الاستخدام ومتاحة للجميع، ويمكن تشغيلها عبر الهواتف الذكية أو الحواسيب دون الحاجة إلى خبرة في البرمجة أو كتابة الكود.

وأضافت أن هذه التقنيات أصبحت حاضرة في مختلف القطاعات، بدءاً من الطب والهندسة والتعليم، مروراً بالإعلام وإدارة الأعمال، وصولاً إلى المشاريع المنزلية الصغيرة، وهو ما يمنح النساء فرصاً واسعة للاستفادة منها، كلٌّ بحسب اختصاصها أو طبيعة عملها.

وبينت فرح عبد الكافي أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة مهمة لتمكين المرأة اقتصادياً، خاصة في المجتمعات التي تواجه فيها النساء تحديات تتعلق بالحركة أو الوصول إلى أماكن العمل، إذ أصبح بإمكان المرأة إدارة مشروعها من منزلها، وتسويق منتجاتها، وإعداد الحملات الإعلانية، وإنتاج المحتوى الاحترافي، والتواصل مع الزبائن باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، دون الحاجة إلى إنفاق مبالغ كبيرة.

 

سلبيات وتحديات لا يمكن تجاهلها

ورغم الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، تؤكد فرح عبد الكافي أنه يفرض، في المقابل، تحديات متزايدة على سوق العمل، لا سيما للوظائف التي تعتمد على المهام الروتينية والإدارية.

وتشير تقارير صادرة عن منظمة العمل الدولية وصندوق النقد الدولي إلى أن النساء قد يكن أكثر عرضة لتأثيرات الأتمتة، نظراً لارتفاع نسبة تمثيلهن في وظائف مثل إدخال البيانات، والأعمال المكتبية، وخدمة العملاء، وإعداد التقارير، وهي مهن أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي قادرة على إنجاز جزء كبير من مهامها.

وأضافت أن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تقليص الطلب على بعض الوظائف التقليدية، ويفرض على العاملات اكتساب مهارات رقمية جديدة للحفاظ على فرصهن في سوق العمل. ويُعد اتساع الفجوة الرقمية من أبرز التحديات، إذ قد تواجه النساء اللواتي لا يمتلكن المعرفة التقنية صعوبة أكبر في المنافسة على وظائف المستقبل.

وأكدت أنه بين الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي والتحديات التي يفرضها، يظل الاستثمار في المهارات الرقمية والتعلم المستمر العامل الحاسم لضمان استفادة النساء من التحولات المتسارعة في سوق العمل، وتحويل هذه التقنية إلى أداة للتمكين الاقتصادي والمهني، بدلًا من أن تكون مصدراً للمخاوف المرتبطة بفقدان الوظائف.

وفي ختام حديثها، دعت فرح عبد الكافي النساء إلى عدم الخوف من الذكاء الاصطناعي، بل إلى اعتباره وسيلة للتطور والاستقلال الاقتصادي، مع التأكيد على ضرورة التحقق من المعلومات التي يقدمها، خاصة في المجالات العلمية والأكاديمية، لأنه يبقى أداة مساعدة قد تخطئ، ولا يمكن الاعتماد على مخرجاته دون مراجعة وتدقيق.