"الآنسة ميمي"... درع رقمي ابتكرته فيروز خان لحراسة الذاكرة واللغة الكردية

تجمع الباحثة وصانعة المحتوى فيروز خان بين شغف العلم وأصالة الهوية حيث تكرس منصاتها لنشر المعرفة التكنولوجية والعلوم واستكشاف عجائب العالم باللغة الكردية، فضلاً عن ابتكارها الرائد لشخصية "الآنسة ميمي".

سوركل شيخو

قامشلو ـ فيروز خان، ابنة مدينة عفرين في روج آفا التي تقيم في العاصمة النمساوية فيينا، أنشأت منصة رقمية شهيرة على وسائل التواصل الافتراضي وقناة على يوتيوب تحمل اسمها، وتقدم من خلالها محتوى متخصصاً في مجالات الاكتشافات، التكنولوجيا، والبحوث العلمية مثل سلسلتها الشهيرة "الولادة الجديدة للعِلم بالكردية".

 

نظرة على رحلة فيروز خان

فيروز رشيد خان هي امرأة تنحدر من مدينة عفرين، بدأت دراسة الاقتصاد في جامعة حلب السورية عام 2014، إلا أن دراستها تعثرت ولم تكتمل بسبب هجمات المجموعات المسلحة التابعة لجبهة النصرة على المدينة. واضطرت إلى الهجرة إلى تركيا، حيث درست الاقتصاد لمدة أربع سنوات في مدينة كلس. لكن هذه المرة، ومع الاحتلال التركي لعفرين، لم ترغب في البقاء هناك واتخذت قراراً بمغادرة كلس عام 2018.

فيروز خان، ظلت دائماً تسعى خلف أحلامها. قادتها هذه الرحلة إلى جامعة في بولونيا، عاصمة إقليم إميليا رومانيا في شمال إيطاليا، حيث درست لمدة عامين مرحلة الماجستير حول التأثير العالمي لطاقة الرياح والطاقة الشمسية على اقتصاد الدول.

منذ عام 2020 وحتى اليوم، تعيش في فيينا ولا تزال تحمل أحلاماً كبيرة، محاولةً تطويع العِلم لخدمة الشعب الكردي والإنسانية. وبعد ثلاث سنوات من تعلمها اللغة الألمانية، عملت في مؤسسة حكومية مسؤولة عن توفير الدعم المالي الأساسي والدعم المهني للباحثين عن عمل في ألمانيا.

تحدثت فيروز خان لوكالتنا عن عملها المتميز والمثير للاهتمام في خدمة الشعب الكردي، قائلة "لقد بدأت دراسة الدكتوره منذ قرابة عام، وأنا الآن أواصل العمل على أطروحتي".

 

ابتكار شخصية "الآنسة ميمي"

قامت فيروز خان هذا الشهر بابتكار شخصية رقمية تعليمية مخصصة لأطفال الكرد تُدعى "Mamoste Mîmî" أي "الآنسة ميمي"، وذلك باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. تحولت المعلمة "ميمي" إلى درع رقمي وحارس مخلص يحمي الذاكرة الكردية، ويعلّم الأجيال الجديدة لغتهم وثقافتهم وتقاليدهم بطريقة سهلة ومبسطة للغاية.

وجاءت هذه الخطوة تلبيةً لرغبتها في تقديم محتوى ممتع يخدم لغتها وشعبها، حيث قضت شهراً كاملاً في البحث والعمل حتى جهزت 10 مقاطع فيديو وبدأت بالبحث عن اسم للشخصية.

وتشير فيروز خان إلى كيفية اختيار اسم هذه الشخصية التعليمية والافتراضية "خلال رحلة بحثي عن اسم، دار في ذهني اسم ابنة جارتنا (نعمت). ولأنه اسم قصير وجميل، شعرت أنه سيعلق في أذهان الأطفال بسهولة. قمت بتلقيم هذا الاسم مع مقترحات أخرى إلى الذكاء الاصطناعي، فظهرت تركيبة (الآنسة ميمي). وبناءً على ذلك، اخترت هذا الاسم وصممت شخصية رقمية تدخل كل بيت كردي، ليتعلموا منها الكردية ويحبوها".

 

حصدت مئات آلاف المتابعين في وقت قياسي جداً

وأوضحت فيروز خان سبب تفضيلها للشخصية الرقمية على الاستعانة بطفل حقيقي "لا يمكنك أخذ طفل حقيقي إلى كل مكان في العالم كما تفعل مع ميمي. في اليوم الأول لنشر أول مقطع فيديو وصل المقطع إلى أربعة ملايين شخص، ونال إعجاباً واسعاً، وكُتبت حوله تعليقات جميلة. وخلال أسبوع واحد فقط تجاوز عدد متابعيها مئة ألف. وفي الوقت نفسه، ترسل لي العديد من العائلات مقاطع فيديو لأطفالهم وهم يشاهدون ميمي بشغف. وبفضل المنصة فُتح الباب أمام الجميع لصناعة مقاطع فيديو ومشاركتها بهذا الأسلوب. أملي هو أن يزداد هذا الزخم على منصات التواصل الاجتماعي، وأن يبدأ الجميع بمشاركة محتوى كردي غني بروح الهوية الكردية".

وعن تأثير مشروع "الآنسة ميمي" الذي ترك بصمة واضحة لدى الشعب الكردي، ولا سيما الأطفال، تقول "منذ أن بدأت العمل على شخصية الآنسة ميمي، أشعر أن ضميري قد ارتاح قليلاً تجاه خدمة لغتي الكردية. فإذا كان هذا العمل بمثابة قطرة في بحر واسع تقف في وجه صهر اللغة، فسأكون في غاية السعادة، وأملي كبير في أن يستمر هذا العطاء".

وعن مشاريعها المستقبلية، قالت "سأواصل تقديم المحتوى التقني ومواكبة مستجدات التكنولوجيا عبر قناتي في يوتيوب من خلال مقاطع قصيرة (5-10 دقائق) بمعدل 2-3 مرات أسبوعياً. ورغم أن إطلاق المشروع أوقف سلسلة 'الولادة الجديدة للعلم بالكردية' مؤقتاً، إلا أن الاستوديو جاهز وسأستأنفها قريباً، مع التخطيط لإنتاج مقاطع طويلة تخص شخصية الآنسة ميمي".

 

المشروع يتطلب تكاليف باهظة جداً

وتحدثت فيروز خان الصعوبات والاحتياجات التي تواجه مشاريعها "الأشياء التي أريد إنجازها تتطلب تكاليف باهظة جداً. لو كانت هذه الفيديوهات تُصنع بلغة أجنبية لما واجهت هذه المشاكل، ولكن نظراً لإصراري على الاستمرار باللغة الكردية، فإن أدوات الذكاء الاصطناعي تعطي أحياناً ترجمات خاطئة، مما يضطرني إلى إعادة صناعة الفيديو وعرضه لأكثر من عشرات المرات".

وأشارت إلى أن الذكاء الاصطناعي يساعدها كثيراً في حياتها ويسهل عملها، لكنها في المقابل تحدثت عن الجوانب السلبية لاستخدامه على البشر "من الناحية الفكرية والصحية، فإن الاعتماد المطلق على الذكاء الاصطناعي والوثوق به في كل التفاصيل يعطل تفكير الإنسان. فعندما تواجهنا أي مشكلة، لا نجهد عقولنا بالتفكير بل نتوجه فوراً للسؤال عبر ChatGPT. على سبيل المثال، إذا ذهب المرء إلى مكان لا تتوفر فيه إنترنت أو لا يمكنه استخدام هاتفه، كيف سيحل تلك المشكلة ويتغلب عليها؟ لذلك، لا ينبغي لنا أن نثق بالذكاء الاصطناعي بنسبة مئة بالمئة، بل يجب أن نخلق توازناً بينه وبين حياتنا".

ووجهت فيروز خان رسالة إلى الشعب الكردي "اللغة الكردية مهمة جداً بالنسبة لنا، وهذا العصر هو عصر التكنولوجيا والرقمية. يجب علينا جميعاً الاستمرار في إنجاز أعمالنا باللغة الكردية عبر أدوات الذكاء الاصطناعي وتكثيف هذا الجهد، وألا ننسى دعم مثل هذه المشاريع. لأن اللغة الكردية هي لغة التكنولوجيا، وهي لغة المستقبل، والمستقبل يكمن في الأكواد البرمجية".