العاملات في الزراعة... كفاح بلا حماية ووعود معطلة وقوانين على الرف
برغم الانجازات التشريعية التي حققتها العاملات في القطاع الزراعي في تونس بدمائهن، إلا أن واقعهن لازال مأساوياً ولازالت الحوادث في شاحنات الموت تودي بحياتهن، حيث توفيت 69 عاملة في سنوات قليلة.
زهور المشرقي
تونس ـ تحت أشعة الشمس الحارقة وفي عمق البيوت المحمية التي تتجاوز حرارتها الأربعين درجة، تُكتب يومياً فصول واحدة من أقسى المآسي الإنسانية في تونس الحديثة، هنّ لسنَ مجرد أرقام تُحصى في سجلات حوادث الطرقات المفجعة، بل هن "العمود الفقري" لأمن البلاد الغذائي، نساءٌ يخلطن المواد الكيميائية الخطرة بأيدٍ عارية ويحملن أكياس الأسمدة على ظهورهن لعقود، دون أن تشفع لهن هذه التضحيات بامتلاك "دفتر علاج" أو تغطية اجتماعية تحميهن من غدر الزمن.
بين مطرقة الأجور المتدنية التي لا تتجاوز الـ 6 دولار يومياً وسندان النقل العشوائي عبر "شاحنات الموت"، يبرز التناقض الصارخ في هوية العاملة التونسية؛ تلك التي تُسجل في بطاقة تعريفها الرسمية كـ "لا شيء"، بينما هي على أرض الواقع تُمثل "كل شيء" لتونس.
إن مأساة العاملات اليوم لم تعد مجرد ملف حقوقي مؤجل، بل هي نزيف دموي مستمر على الطرقات، وسلسلة من الوعود التشريعية المجمدة، وعلى رأسها المرسوم رقم 4، الذي بقي حبراً على ورق ينتظر التفعيل الفعلي والقانون 51 لعام 2019، تظل الآمال معلقة لتحسين الوضع.
تقول إحصائيات المجتمع المدني إن 89 حادث لشاحنات الموت وقع بين عامي 2015 ـ 2026 ماتت فيه 69 عاملة فلاحية وأصيبت 990 أخرى، علماً وأن 60% من الحوادث حدثت مع صدور القانون 51 عام 2019.
لقمة عيش ملطخة بالدماء
"لقد صرخنا، واحتججنا، وقدمنا الدراسات وساندنا المطالب، ولكن لا حياة لمن تنادي. إن رؤية الخبز الملطخ بدماء العاملات أمر يفوق الاحتمال الإنساني، ومع ذلك يتعامل المسؤولون مع الأمر كأنه مجرد حادث عادي"، بهذه الكلمات عبرت الناشطة النسوية حليمة الهمامي عن غضبها إزاء تجاهل الحوادث المتكررة التي أودت بحياة العديد من العاملات الزراعيات.
لخصت حليمة الهمامي حجم الأزمة المركبة التي تعيشها البلاد، معلنةً أن ما يحدث اليوم يتجاوز الصدفة ليقترب من "مؤامرة ممنهجة" تستهدف إنسان هذا الوطن "بدءاً من لقمة عيش العاملات المغموسة بالدم، وصولاً إلى كرامة المثقفين التي دُيست تحت أقدام التهميش".
وتحدثت عن الحوادث المتكررة التي تطال العاملات في القطاع الزراعي مع بداية كل موسم، واصفةً شاحنات النقل غير الآمن بـ "المسالخ البشرية" وجريمة موصوفة تُرتكب بحق نساء لا خيار أمامهن سوى الموت أو الجوع.
بمرارة بالغة، انتقدت حليمة الهمامي التعتيم الإعلامي الرسمي قائلة "حين يتعلق الأمر بحدث رياضي أو لاعب من ستينيات القرن الماضي، تجد وسائل الإعلام تفرد له المساحات، بينما يمر خبر موت ثلاث نساء كادحات على التلفزيون الوطني مرور الكرام".
وأضافت أن المشهد الافتراضي "لم يعد يرحم" حيث تحول موقع التواصل "فيسبوك" إلى ساحة للشماتة وتشويح الضحايا حتى وهم في نزاعهم الأخير، مؤكدة أن النساء هنّ الركيزة الأساسية للأمن الغذائي في تونس، ويقبلن بالعمل في ظروف مناخية حارقة أو صقيعية مقابل أجور زهيدة وهو ما يرفضه الرجال.
واستشهدت بعبارة إحدى العاملات التي تختزل المأساة "لو لم أخرج للعمل هذا اليوم، فلن أجد ما أطبخه لعشاء أبنائي".
وأمام هذا الواقع، عبرت حليمة الهمامي عن صدمتها من مشهد "الخبز الملطخ بالدم" الذي رصدته المؤشرات والتقارير الأخيرة، واصفةً إياه بـ "الرمزية البشعة" لواقع مغمس بالقهر، وسط صمت مريب من قِبل السلطة التنفيذية، ممثلة في رئيسة الحكومة ووزيرة المرأة، اللتين اختارتا معاملة هذه الكوارث كـ "حوادث عرضية" لا تستدعي التحرك.
لم تكن قضية العاملات منفصلة عن السياق العام الذي تعتبره حليمة الهمامي جزءاً من خطة ممنهجة تستهدف تفكيك البنية الفكرية للمجتمع. فبعد حديثها عن النقل غير الآمن، انتقلت إلى ملف "ترذيل الحياة السياسية والثقافية" وما يتضمنه من استهداف للرموز الفكرية والعلمية ومحاولات لإضعاف دورهم في الفضاء العام.
دراسات ومطالبات في مهب الريح
من جانبها اعتبرت رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، رجاء الدهماني، أن عاملات القطاع الزراعي في تونس تواجهن واقعاً مريرياً يهدد حياتهن يومياً، وسط إدانة واستنكار شديدين لاستمرار هدر الأرواح والدماء على الطرقات، لافتة إلى أن هؤلاء النساء لسن مجرد أرقام تُحصى في سجلات الحوادث، بل هن مناضلات يمثلن العمود الفقري لعائلات بأكملها ويؤمن قوتهن اليومي في ظل ظروف قاسية.
وأوضحت بأنه على مدى سنوات، لم تتوقف المطالبات بتوفير نقل آمن يحفظ كرامة العاملات ويضع حداً لـ"شاحنات الموت"، ورغم إعداد دراسة ميدانية شاملة حول واقع النساء في القطاع الزراعي، تضمنت توصيات واضحة ومؤشرات دقيقة تحذر من خطورة استمرار الوضع الحالي وتطالب بتحسين ظروف هذه الفئة التي تؤمن الغذاء للمجتمع التونسي، إلا أن الأمر بقي على حاله دون استجابة فعلية.
وبينت أن الأزمة الحالية ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج منظومة متشابكة من التقصير تتوزع مسؤولياتها على عدة أطراف أولها غياب الإرادة السياسية حيث يبرز تقاعس واضح في اتخاذ قرارات سياسية صارمة وقوية تحمي النساء من الموت اليومي، وثانياً البيروقراطية والقوانين الهشة إذ تتسم القوانين الخاصة بتنظيم النقل بالضعف والبطء الشديد في التفعيل، حيث تكبلها إجراءات إدارية معقدة وسلسلة طويلة من المسؤولين، مما يعطل ترجمتها على أرض الواقع.
وأشارت إلى الروابط العائلية وسلوك السائقين حيث يتحمل السائقون جزءاً كبيراً من المسؤولية، ونظراً لكونهم غالباً من الأقارب (أبناء عمومة أو إخوة)، تجد العاملات حرجاً في تقديم شكاوى ضدهم رغم قيامهم بحشر 20 إلى 30 عاملة في الشاحنة الواحدة، مما يتسبب مباشرة في الكوارث، علاوة على صعوبة الرقابة الأمنية، إذا يعمد السائقون إلى سلوك مسالك وطرقات عشوائية وغير مهيأة هرباً من المراقبة، مما يصعّب على الأجهزة الأمنية مهمة تتبعهم ومنع هذا النقل غير القانوني.
تشريعات معطلة وحماية اجتماعية غائبة
على الصعيد التشريعي، يبقى المرسوم رقم 4 المشروع الذي عُقدت عليه الآمال لحماية العاملات وضمان التغطية والضمان الاجتماعي لهن، مجرد حبر على ورق، نظراً لعدم صدور النصوص الترتيبية الخاصة بتفعيله حتى الآن، وما زاد الواقع مأساوية ثالوث المعاناة: الأجر، الصحة، والنقل.
وتأتي آخر حادثة في منطقة المزونة بولاية سيدي بوزيد لتنضاف إلى السجل الأسود لهذا الملف، حيث أسفر الحادث عن وفاة امرأتين خرجتا فجراً لتأمين لقمة العيش، وتركتا خلفهما أطفالاً يتامى، ليؤكد ذلك أن المزارعة لا تزال تعيش "يوماً بيوم" تحت تهديد خطر الموت.
إن استمرار هذا الوضع يعد وصمة عار؛ فالبلاد التي شهدت ثورة من أجل الكرامة والعدالة الاجتماعية لا يمكنها الكيل بمكيالين وهي ترى نساءها يدفعن حياتهن ثمناً للبقاء.
لم تكن حال العاملة منيرة الزغيدي، البالغة من العمر ستين عاماً، سوى مرآة لمعاناة طويلة امتدت لثلاثة عقود. ثلاثون عاماً قضتها في الشقاء داخل الحقول، بلا أي غطاء اجتماعي يحميها أو يعترف بجهدها.
وخلال هذه السنوات كلها، حرمت من أبسط حقوق الأمان المهني؛ فلا تغطية اجتماعية، ولا بطاقة علاج، ولا حتى وثيقة رسمية واحدة تثبت عملها أو تحفظ حقوقها التي ضاعت مع الزمن.
وتستحضر تفاصيل معاناتها اليومية مع المخاطر الصحية والبيئية "قضيت 30 عاماً وأنا أحمل أكياس الأسمدة على ظهري، وأخلط المواد الكيميائية الخطرة بيدي المجردتين دون أي وسائل وقاية".
ولفتت إلى العمل في ظروف قاسية "ندخل للعمل داخل البيوت المكيفة (البيوت المحمية) في درجات حرارة تتجاوز 40 درجة مئوية، من أجل جني الطماطم والفلفل وتأمين الغذاء للشعب التونسي".
وتطرقت إلى الصمود في زمن الجائحة "أثناء أزمة كورونا، عندما كان الجميع ملتزمين ببيوتهم ومحجورين صحياً، كنا نحن في المزارع نواصل العمل دون توقف لكي لا يجوع أهالي تونس، ولكي يصل المنتج الطازج إلى كل مواطن".
وتختتم شهادتها بوصف دقيق لحجم التناقض بين دورهن الاقتصادي وواقعهن القانوني "من المؤسف أن تُختزل هويتنا في بطاقة التعريف الوطنية بعبارة (لا شيء)، في حين أننا نمثل "كل شيء" في تونس. الفلاحات هن العمود الفقري للاقتصاد والأمن الغذائي في البلاد، والتراب والأرض يشهدان على حجم كفاحنا. ننظر اليوم إلى أيدينا ووجوهنا التي أنهكها المرض والشقاء؛ منا من تعاني من أمراض مزمنة، ومنا من تضررت عيناها بسبب المواد الكيميائية، ومع ذلك لا نجد ثمن العلاج".
وتوجهت بنداء عاجل إلى السلطات العليا لكي تنظر في وضعهن بعين العدالة، وتعمل فوراً على تفعيل وتطبيق المرسوم رقم 4، لمنحهن أدنى حقوقهن الإنسانية والمهنية التي تضمن لهن العيش بكرامة.