إعادة افتتاح سينما عامودا... خطوة لترميم الذاكرة والوفاء لضحايا فاجعة 1960
أعربت الكاتبة عبير دريعي عن عمق رمزية إعادة إحياء سينما "شهرزاد" بمدينة عامودا بعد 66 عاماً من الفاجعة، مؤكدةً أن هذا الحدث يمثل لفتة وفاء لأرواح مئات الأطفال الكُرد الذين قضوا حرقاً داخلها عام 1960.
سوركل شيخو
عامودا ـ رغم مرور ستة وستين عاماً على فاجعة سينما "شهرزاد" في عامودا عام 1960، لا تزال نيرانها تشتعل حزناً في قلوب أبناء المدينة، حيث يحيي الأهالي ذكراها الأليمة كل عام، مستحضرين أرواح أكثر من 280 طفلاً قضوا في ذلك الحريق المأساوي.
يعيد الحديث عن سينما "شهرزاد" في مدينة عامودا ذكرى فاجعة تاريخية أليمة وقعت في 13 تشرين الثاني/نوفمبر 1960، وأودت بحياة نحو 280 طفلاً كردياً، ولا يزال هذا الحدث يُمثل جرحاً عميقاً ورمزاً للمأساة في الوجدان والثقافة الكردية، حيث خُلدت تفاصيله في أعمال أدبية وموسيقية عديدة.
بدأت القصة عندما تجمع مئات من طلاب المدارس الابتدائية داخل دار السينما لمشاهدة فيلم مصري يهدف إلى دعم الثورة الجزائرية، في عرض نظمه نظام البعث آنذاك، لكن الأطفال واجهوا مصيراً مأساوياً مرعباً، إذ اندلع حريق ضخم ومفاجئ التهم قاعة السينما التي غصت بأكثر من 500 طفل، رغم أن قدرتها الاستيعابية لا تتعدى 200 شخص فقط، وتحولت القاعة إلى فخ مميت حاصر الضحايا بسبب الأبواب الموصدة، مما أدى إلى هذه الخسارة البشرية الفادحة.
وبعد مرور ستة وستين عاماً على الحريق، أُعيد إحياء سينما عامودا تحت إشراف المركز الثقافي، حيث باتت تُعرض فيها أفلام كردية كل يوم خميس.

وعن الغاية من إعادة إحياء سينما عامودا وأهمية ذلك قالت الكاتبة عبير دريعي إنه "بعد أكثر من نصف قرن، لا تزال ذكرى الأطفال الـ 280 الذين قضوا في الحريق حاضرة، وقد عادت السينما لتنبض بالحياة من جديد".
وصفت عبير دريعي إعادة افتتاح السينما بأنه حدث تاريخي يفيض بالرمزية "لقد شهدت عامودا مأساةً هائلة في الستينيات؛ إذ ظلت رائحة الحريق عالقة في أجواء المدينة لأشهر، وفي كل مرة أمر فيها بجوار السينما، أسمع صرخات الأطفال الذين قضوا حرقاً، إحياء السينما اليوم يُعد لفتة وفاءٍ للراحلين والأحياء على حد سواء، فهو يضمن أن تدرك الأجيال الجديدة حقيقة ما حدث هنا، وأن يدركوا القيمة التاريخية لإعادة هذا الصرح السينمائي".
وسلطت الضوء على الغاية من إحياء السينما "لقد أردنا من خلال إحياء السينما إثراء البلدة وتحويل ذلك الألم إلى شيء ذي قيمة لأطفال اليوم، كانت عامودا غارقة في حزن عميق لا ينتهي، ومن المهم ألا يقتصر شعور المارة بجوار السينما اليوم على استنشاق رائحة الحريق، بل أن يتنفسوا أيضاً هواء التجدد، يجب إدراج حريق سينما عامودا في المناهج الدراسية".
وأوضحت أنه على الرغم من حرق مدينة عامودا، إلا أنها تظل قادرة على النهوض مجدداً ومواصلة مسيرتها "نحن نذكر أطفال اليوم بأنه قبل ستة وستين عاماً، كان هناك أطفال مثلهم تماماً لكن النيران التهمتهم، حتى لو أُحرقت السينما فإنها ستظل حية وباقية".
لماذا ينبغي إدراج ذلك في المواد التعليمية؟
وعن سبب رغبتها في أن تكون السينما جزءاً من المنهج الدراسي السوري الذي يجري إعداده حالياً قالت "في ذلك الوقت عرض نظام البعث فيلماً عن الجزائر للأطفال، ويزداد ألمنا حدةً لأن أطفالنا ذهبوا إلى السينما تضامناً مع الآخرين، حيث أُرسلت عائدات تذاكرهم لدعم الثورة الجزائرية، ولهذا السبب نريد أن يعرف العالم بأسره على يد من ومن أجل أي قضية أُحرق أطفالنا حتى الموت، لقد ألّف العديد من الكتاب كتباً تتناول تفاصيل الحريق، فلماذا لا يُدرج ذلك في المنهج الدراسي؟ هناك العديد من الكتب التي يمكن أن تكون بمثابة مواد تعليمية للأطفال ضمن المناهج التي يجري تطويرها حالياً".
"سينما عامودا تجمعنا عبر أشكال فنية متنوعة"
وأشارت إلى أن سينما عامودا ليست مجرد مكان لعرض الأفلام بل هي مساحة ثقافية أيضاً "تجمعنا سينما عامودا من خلال أشكال فنية متنوعة؛ ففي يوم إعادة إحيائها، قدم العديد من المغنين عروضاً فنية، وعرض الرسامون أعمالهم، بالنسبة لنا هذا اليوم كان بمثابة إحياء لروح مقدسة".
كما طالبت بإدخال تحسينات وإضافات تُغني موقع السينما الحالي، وحددت الخطوات الضرورية لتحقيق ذلك، لافتةَ الانتباه إلى صغر مساحة المكان الحالية؛ إذ كان من الأجدى تشييد صالة عرض شتوية لاستيعاب فعاليات أكثر تنوعاً، إلى جانب توفير مساحة لمكتبة كُردية تُشجع على القراءة.
وأعربت عن أملها في أن تراعي السينما الجديدة قيد الإنشاء هذه المتطلبات، رغم تفضيلها لو جُسدت هذه الأفكار في الموقع الأصلي الذي شهد الفاجعة، كونه ينبض برمزية وحيوية لا تُعوض، مؤكدةَ على أهمية ترميم هذا المعلم وتطويره، مع التمسك التام بهويته التاريخية.
وفي ختام حديثها، وجهت عبير دريعي دعوة إلى الأسر لحثهم على تعليم أبنائهم اللغة الكردية، وتعريفهم بجذورهم التاريخية، وغرس قيم ثقافتهم في نفوسهم لترسيخ هويتهم القومية ووعيهم بالمنعطفات التاريخية التي مروا بها، كما ركزت على ضرورة تدوين المحطات التاريخية للشعب الكردي وتوريثها للأجيال الناشئة.