"40 سنة بركات" حين يصبح إنتاج المحتوى النسوي مقاومة وتغييراً للسردية
برنامج "رانا هنا" يفتح فضاءً نسوياً للإبداع والتدريب، حيث تتحول التجارب الشخصية إلى أفلام وثائقية تناقش قضايا قانون الأسرة والعنف، مؤكداً أن النضال من أجل المساواة فعل مستمر لا موسمي.
نجوى راهم
الجزائر ـ "40 سنة بركات" ليست مجرد عبارة احتجاجية، بل خلاصة أربعة عقود من الانتظار، والأسئلة المؤجلة والحقوق المنقوصة في ظل قانون الأسرة. من هذا الوعي انطلق برنامج "رانا هنا" كمبادرة نسوية اختارت أن تحوّل الغضب الصامت إلى صورة، والصمت إلى صوت، والتجربة الشخصية إلى محتوى واعٍ يطالب بالمساواة الفعلية لا الرمزية.
تقول آمال حجاج، رئيسة الجريدة النسوية والمشرفة على برنامج "رانا هنا"، إن الطبعة الثانية جاءت امتداداً نقدياً للطبعة الأولى لا تكراراً لها، فبعد إعادة فتح باب الترشح بشروط جديدة، شاركت ناشطات نسويات من جمعيات مختلفة، ما أضفى على التجربة تنوعاً فكرياً وميدانياً.
ومن موقع الإشراف، تم تدارك النقائص السابقة مع تركيز أكبر على جودة التدريب، نوعية الورشات، والجانب التطبيقي من الفكرة إلى التنفيذ والإخراج، وصولاً إلى النتائج المنتظرة من هذا المسار الطويل.
على مدار قرابة عام كامل من التدريب المنتظم والمتقطع، استفادت 14 متدربة من ولايات مختلفة من برنامج تدريبي شامل، جمع بين الصوت، الصورة، الكتابة، المونتاج، وكتابة الأفلام الوثائقية القصيرة. لم تكن الورشات تقنية فقط، بل تحولت إلى فضاءات نقاش مفتوح غلب عليها الطابع الإبداعي، وتقاطعت فيها التجارب والأسئلة والاختلافات، ومن خلال عروض لأفلام وثائقية وأعمال سابقة، تم توسيع أفق المشاركات حول تنوّع صناعة المحتوى، مع تشجيعهن على بلورة أفكارهن وتحديد زوايا معالجة تعبر عنهن.
وبالاعتماد على هذه النقاشات، اختارت المشرفات تبني مبدأ أساسي: حرية التعبير والاختيار. لم يفرض موضوع بعينه، ولم توجه المشاركات قسراً نحو زاوية محددة. ورغم ذلك أو ربما بسببه، التقت أغلب الأعمال تلقائياً حول قضايا تمس صميم قانون الأسرة: العنف، النفقة، صعوبة استخراج جواز السفر للأمهات، التمييز وعدم المساواة. مواضيع خرجت من التجربة الحياتية للنساء، وهي اليوم في طور الإنجاز ضمن مشاريع أفلام وثائقية قصيرة.
اختيار شعار "40 سنة بركات" لم يكن اعتباطياً، بل تزامن مع مرور أربعين عام على صدور قانون الأسرة، في محاولة نسوية واعية لإعادة فتح النقاش حول نص قانوني لا يزال يؤثر بشكل مباشر على حياة النساء. فالطموح، كما تؤكد القائمات على البرنامج، هو إعادة النظر في العديد من النقاط الجوهرية بما يضمن المساواة الفعلية والعدالة، لا الاكتفاء بإصلاحات شكلية.
وتزامناً مع حملة 16 يوماً لمناهضة العنف ضد المرأة، أطلق البرنامج أول سلسلة من حلقات البودكاست، تناولت العنف بكل أشكاله: الاقتصادي، النفسي، الاجتماعي، والأسري. لم يكن الهدف إنتاج محتوى مناسباتي، بل كسر منطق الموسمية الذي يحول معاناة النساء إلى مادة استهلاكية ظرفية. فالعنف، كما كشفته هذه الحلقات ليس حدثاً استثنائياً، بل جزء من واقع يومي لا يمكن تجاهله أو تأجيله.
أعمال نابعة من قناعة نسائية
من هنا، يتمثل جوهر "رانا هنا" في تغيير السردية: كسر الصورة النمطية، ومساءلة بعض الممارسات الإعلامية التي تختزل قضايا النساء في شهادات تُستدعى فقط خلال الحملات السنوية، دون اهتمام حقيقي بالقضية أو سياقها. ما يقدمه البرنامج هو أعمال نابعة من قناعة نسائية، من إنتاج وإخراج ناشطات اخترن أن يحكين القصص بأصواتهن، وأن يشاركن تجارب نساء عايشن العنف والتمييز والإقصاء، بهدف التوعية، لا الاستغلال.
وقد أفضى نشر عدد من هذه الأعمال خلال فترة التدريب إلى تفاعل لافت، حيث تواصلت نساء أخريات مع الجريدة أو مع الناشطات أنفسهن، رغبةً في مشاركة تجاربهن. وهو ما يؤكد أن هذا المحتوى فتح مساحة آمنة للبوح، وخلق وعياً جماعياً حول قضايا طال الصمت عنها، في انتظار اكتمال بقية الأفلام الوثائقية التي تتطلب وقتاً وجهداً أكبر حتى ترى النور.
النضال النسوي لا يقاس بالمواسم بل بالاستمرارية
أما عن المستقبل، ففكرة طبعة ثالثة تبقى ممكنة، لكن الأهم أن استوديو الجريدة النسوية أصبح فضاءً دائماً للإنتاج وإعادة إنتاج الأفكار، وملتقى لقصص نساء من مختلف المجالات. فضاء يؤمن بأن التغيير عملية تراكمية، وأن النضال النسوي لا يقاس بالمواسم بل بالاستمرارية.
وفي الختام تقول رئيسة الجريدة النسوية آمال حجاج "بالرغم من كل المحاولات وفي عمق هذا المسار، يبقى المطلب النسوي واضحاً وبسيطاً: المساواة الفعلية بين الجنسين في كل المجالات، فحين تدفع المرأة نفس الضرائب، وتتحمل نفس الأعباء، يصبح من البديهي أن تتمتع بنفس الحقوق".