زواج القاصرات في العراق... طفولة تُختزل بعقد زواج ومسؤوليات تفوق العمر
رغم القوانين والاتفاقيات التي تكفل حماية الطفولة، لا يزال زواج القاصرات في العراق واقعاً يهدد حق الفتيات في التعليم والحياة الآمنة، ويفرض عليهن مسؤوليات تفوق أعمارهن وقدرتهن على الاختيار.
تمني السروي
بغداد ـ لا تزال ظاهرة زواج القاصرات من أبرز التحديات الاجتماعية والقانونية في العراق، بسبب الفقر والعادات الاجتماعية والتسرب من المدارس. وتواجه الفتيات المتزوجات مبكراً آثاراً نفسية وصحية واجتماعية خطيرة، وسط جدل حول القوانين المنظمة للأحوال الشخصية. ويرى مختصون أن الحد من الظاهرة يتطلب، إلى جانب التشريعات، سياسات تعليمية واجتماعية واقتصادية متكاملة.
طفولة انتهت عند الرابعة عشرة
كانت (ض. أ) تحلم بأن تكمل دراستها وتصبح معلمة. في الرابعة عشرة من عمرها، تركت مقاعد الدراسة بعدما قررت عائلتها تزويجها بحجة الظروف الاقتصادية والعادات الاجتماعية.
لم تكن تدرك معنى الزواج أو حجم المسؤولية التي تنتظرها. وبعد أشهر قليلة أصبحت زوجة، ثم أماً وهي ما تزال طفلة. اليوم، تبلغ من العمر 19 عاماً، وتحمل طفلتها بين ذراعيها، لكنها تقول إن أكثر ما يؤلمها ليس التعب، بل شعورها بأنها فقدت طفولتها قبل أن تعيشها.
ورغم حبها لطفلتها، فإنها تتمنى ألا تمر أي فتاة أخرى بالتجربة نفسها، وأن تحصل كل طفلة على حقها في التعليم والاختيار والحياة الآمنة قبل التفكير في الزواج.
وفي هذا الإطار، ترى الدكتورة خيال الجواهري أن زواج القاصرات لم يعد مجرد حالات محدودة كما كان في السابق، بل تحول إلى ظاهرة آخذة بالاتساع، الأمر الذي يعكس، بحسب وصفها، تراجعاً في الوعي المجتمعي والثقافي، إلى جانب تراجع واضح في التشريعات والقوانين التي يفترض أن توفر الحماية للأطفال والنساء.
وتؤكد أن الطفلة التي تُدفع إلى الزواج في عمر مبكر تتعرض لانتهاك مباشر لحقوقها الأساسية، لأنها تحرم من طفولتها ومن حقها في التعليم والنمو الطبيعي، وتُجبر على تحمل مسؤوليات أسرية لا تتناسب مع عمرها أو نضجها النفسي والجسدي.
وتقول إن المجتمع لا يمكن أن يتقدم ما دام يسمح باستمرار مثل هذه الممارسات، مشيرة إلى أن ارتفاع معدلات الزواج المبكر يعد مؤشراً على وجود خلل في السياسات الاجتماعية والتربوية والتشريعية، وليس مجرد قضية أسرية أو شخصية.
أسباب متعددة
وتوضح خيال الجواهري أن استمرار الظاهرة لا يرتبط بسبب واحد، وإنما بمجموعة من العوامل المتداخلة، يأتي في مقدمتها تمسك بعض المجتمعات بالعادات والتقاليد البالية التي تنظر إلى زواج الفتاة المبكر على أنه أمر طبيعي أو وسيلة لحماية الأسرة.
كما تشير إلى أن الفقر والأزمات الاقتصادية التي تعيشها بعض العائلات تدفعها إلى تزويج بناتها للتخفيف من الأعباء المالية، في حين يؤدي التسرب من المدارس وتراجع مستوى التعليم إلى زيادة احتمالات الزواج المبكر، لكون الفتاة التي تترك الدراسة تصبح أكثر عرضة للزواج في سن صغيرة.
وتضيف أن بعض التدخلات العشائرية والاجتماعية ما تزال تؤثر في قرارات الزواج، وهو ما يسهم في تكريس الظاهرة واستمرارها رغم ما تسببه من أضرار كبيرة على الفتيات.
وتبدي اعتراضها على التعديلات التي طالت قانون الأحوال الشخصية (المدونة الجعفرية)، معتبرة أنها مثلت تراجعاً عن المبادئ التي جاء بها قانون الأحوال الشخصية رقم (188) لسنة 1959، والذي وفر، بحسب رأيها، ضمانات أكبر لحماية الفتيات من الزواج المبكر.
وترى أن أي نص قانوني يسمح بزواج القاصرات يمثل انتقاصاً من حقوق الطفل، ويتعارض مع المبادئ الدستورية والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها العراق، والتي تؤكد ضرورة حماية الأطفال من جميع أشكال الاستغلال والإكراه.
وتؤكد أن المشكلة لا تتعلق فقط بعمر الفتاة، وإنما بقدرتها النفسية والجسدية والعقلية على اتخاذ قرار مصيري كالزواج، وهو أمر لا يمكن لطفلة في هذا العمر أن تدرك أبعاده الحقيقية.
القضاء يجب أن يكون الضامن الأول لحقوق الفتيات
وتشير خيال الجواهري إلى أنه من أخطر نتائج بعض التعديلات القانونية هو إضعاف دور القضاء في حماية الفتيات، مؤكدة أن المحاكم يجب أن تكون الجهة الأساسية التي تضمن حقوق الأطفال والنساء، بعيداً عن الضغوط الاجتماعية أو الأعراف العشائرية.
وترى أن إبعاد القضاء عن هذه الملفات يفتح المجال أمام قرارات قد لا تراعي مصلحة الطفلة، ويجعلها عرضة للحرمان من أبسط حقوقها القانونية والإنسانية، مؤكدة أن آثار الزواج المبكر لا تقتصر على الطفلة وحدها، بل تمتد إلى المرأة بصورة عامة، لأن ضعف التشريعات ينعكس على حقوقها داخل الأسرة والمجتمع.
آثار صحية ونفسية واجتماعية طويلة الأمد
وتوضح أن الزواج المبكر يترك آثاراً صحية خطيرة، إذ تكون الفتاة الصغيرة أكثر عرضة لمضاعفات الحمل والولادة، فضلاً عن المشكلات الصحية التي قد ترافقها طوال حياتها. كما تشير إلى أن الطفلة لا تمتلك النضج النفسي الذي يمكنها من تحمل ضغوط الحياة الزوجية، ما يجعلها أكثر عرضة للقلق والاكتئاب والعنف الأسري والانفصال.
وتضيف أن الفتاة في هذا العمر تكون بحاجة إلى الرعاية والتعليم وبناء شخصيتها، وليس إلى تحمل مسؤوليات الأمومة وتربية الأطفال، مؤكدة أن الكثير من حالات الزواج المبكر تنتهي بمشكلات أسرية بسبب غياب التوافق والنضج بين الزوجين.
وتؤكد أن العراق ملتزم بعدد من الاتفاقيات الدولية التي تكفل حماية الطفل والمرأة، وترى أن هذه الاتفاقيات يجب أن تنعكس بصورة واضحة على التشريعات الوطنية، بما يضمن حماية الفتيات من الزواج المبكر، داعية إلى مراجعة جميع القوانين التي يمكن أن تفتح المجال أمام تزويج القاصرات، والعمل على تشريع قوانين أكثر صرامة تحمي الطفولة، وتمنع أي استغلال للفتيات تحت أي مبرر اجتماعي أو اقتصادي.
الإعلام والتعليم… خط الدفاع الأول
وترى خيال الجواهري أن وسائل الإعلام لم تعد تؤدي الدور التوعوي المطلوب في مواجهة هذه الظاهرة، مشيرة إلى أن البرامج التي تناقش قضايا المرأة والأسرة والطفولة أصبحت محدودة مقارنة بحجم التحديات التي يواجهها المجتمع.
وتؤكد أن المدارس والجامعات ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني مطالبة بإطلاق حملات تثقيفية مستمرة، تهدف إلى رفع الوعي بمخاطر الزواج المبكر وآثاره الصحية والنفسية والاجتماعية والقانونية.
كما تشدد على أهمية الحد من التسرب المدرسي، لأن بقاء الفتاة في المدرسة يمثل أحد أهم عوامل الحماية من الزواج المبكر، فضلاً عن تمكينها اقتصادياً وتعليمياً في المستقبل.
مسؤولية الدولة والمجتمع
وتختتم خيال الجواهري حديثها بالتأكيد على أن مواجهة زواج القاصرات ليست مسؤولية وزارة أو مؤسسة بعينها، وإنما مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تعاون السلطتين التشريعية والتنفيذية، إلى جانب القضاء والمؤسسات التعليمية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني.
يبقى زواج القاصرات من أكثر القضايا التي تثير الجدل في العراق، ليس لارتباطه بالنصوص القانونية فحسب، وإنما لما يتركه من آثار عميقة على مستقبل الفتيات والمجتمع بأكمله. وبين الدعوات إلى تشديد التشريعات، وتعزيز التعليم، ونشر الوعي المجتمعي، يبقى السؤال مطروحاً: هل تنجح الجهود في حماية الطفولة ومنح الفتيات حقهن في أن يعشن أعمارهن بعيداً عن مسؤوليات الزواج المبكر، أم تستمر الظاهرة في حرمان المزيد من الفتيات من طفولتهن ومستقبلهن؟