قضية سعيدة العلمي تعيد فتح النقاش حول وضع المعتقلات في المغرب
تعيد قضايا المتابعات المرتبطة بحرية التعبير في المغرب طرح أسئلة متجددة حول توازنات الحقوق والحريات، في سياق يتزايد فيه النقاش حول دور الفاعلين الحقوقيين في مواكبة هذه الملفات.
حنان حارت
المغرب ـ تتصدر قضية سعيدة العلمي واجهة النقاش الحقوقي، بعد أشهر من صدور الحكم بحقها، وسط تفاعلات حقوقية ارتبطت بخوضها إضرابات متفرقة عن الطعام داخل السجن، وفق ما تتداوله مصادر حقوقية.
تندرج هذه القضية ضمن سياق أوسع يشهد بروز ملفات لنساء ناشطات، من بينهن ابتسام لشكر، إلى جانب حالات أخرى، بعضها انتهى بالإفراج، ما أعاد طرح أسئلة حول وضع المعتقلات وحدود حرية التعبير وطبيعة التفاعل الحقوقي مع هذه القضايا.
مخاوف حقوقية
يرى متابعون أن هذه الملفات تطرح ضمن نقاش أوسع يتعلق بالعلاقة بين التعبير في الفضاء الرقمي والمتابعة القانونية، وبكيفية التعامل مع قضايا مرتبطة بحرية التعبير في سياقات مختلفة.
كما تثير هذه القضايا تساؤلات بشأن أوضاع النساء داخل المؤسسات السجنية، خاصة فيما يتعلق بالضمانات القانونية والحقوق الأساسية وظروف الاعتقال.
وفي تفاعل مع القضية، اعتبرت سميرة قسمي، معتقلة سياسية سابقة وعضوة في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، في تدوينة على موقع التواصل الافتراضي "فيسبوك"، أن وضع سعيدة العلمي يثير "مخاوف حقوقية متزايدة"، مشيرة إلى ما وصفته بـ "ظروف صعبة وضغوط" داخل السجن.
وأضافت أن هذه المعطيات "تطرح تساؤلات حول ظروف الاعتقال ومدى ضمان الحقوق الأساسية"، داعية إلى المزيد من المتابعة والتفاعل الحقوقي.
تجريم جندري
قالت ابتسام التبات، فاعلة حقوقية وعضوة مجموعة شابات من أجل الديمقراطية، في تصريح لوكالتنا، إن هذه القضايا لا يمكن النظر إليها كحالات معزولة، بل كمدخل لفهم دينامية أوسع مرتبطة بوضع الحقوق والحريات.
وأوضحت أن المعطيات التي توصلت إليها المتابعة الحقوقية تشير إلى أن متابعة المدافعات لا ترتبط فقط بأفعال محددة، بل تندرج ضمن سياق يتم فيه توظيف القانون خاصة القانون الجنائي، لتقييد حرية التعبير خاصة عندما تكون صادرة عن نساء في الفضاء العام، مضيفة "نحن أمام نوع من التجريم الجندري لحرية التعبير، حيث لا يعاقب فقط على الرأي، بل أيضاً على موقع القائلة به كامرأة".
إشكالات بنيوية
وترى ابتسام التبات أن هذه القضايا تكشف عن إشكالات بنيوية على عدة مستويات منها قانونية حيث تم تسجيل استعمال نصوص فضفاضة يتم تأويلها بما يسمح بتجريم التعبير السلمي، مع اختلالات في ضمانات المحاكمة العادلة، كما تم توثيق أشكال من العنف تشمل النفسي والرمزي داخل السجون، إلى جانب صعوبات في الولوج إلى الرعاية الصحية، خاصة للحالات الهشة.
وأشارت إلى بروز ما تصفه بـ "العنف الموازي للاعتقال" خارج السجن من خلال حملات التشهير والوصم الاجتماعي، خاصة عبر الفضاء الرقمي، موضحة أن هذا العنف "لا يستهدف فقط المعتقلة، بل يهدف أيضاً إلى عزلها وإرسال رسائل ردع لباقي المدافعات".
وفيما يتعلق بالحلول، دعت ابتسام التبات إلى مراجعة النصوص القانونية وضمان انسجامها مع المعايير الدولية، خاصة فيما يرتبط بحرية التعبير والتجمع السلمي، إلى جانب إقرار آليات حماية خاصة بالمدافعات عن حقوق الإنسان.
كما شددت على ضرورة تعزيز استقلالية القضاء وضمان شروط المحاكمة العادلة، وتفعيل آليات الرقابة والمساءلة في حالات الانتهاك، معتبرة أن جزءاً من هذه الانتهاكات يجد جذوره في صور نمطية تقيد حضور النساء في الفضاء العام.
دور المجتمع المدني
وتؤكد ابتسام التبات أن التضامن الحقوقي يلعب دوراً محورياً، باعتباره "خط الدفاع الأول"، سواء عبر الترافع أو التوثيق أو كسر الصمت، مشيرة إلى أنه يساهم في تقليص العزلة وإبقاء هذه القضايا ضمن النقاش العمومي.
في المقابل، تسجل وجود تحديات، من بينها محدودية الموارد، والضغط على الفاعلين الحقوقيين، وصعوبة الوصول إلى بعض الحالات، إضافة إلى مناخ الخوف المرتبط بالتشهير أو المتابعات.
وتخلص ابتسام التبات إلى أن معركة المدافعات عن حقوق الإنسان ليست هامشية، بل تمثل اختباراً فعلياً لمدى احترام الحقوق والحريات، معتبرة أن استهداف النساء بسبب آرائهن لا يعكس فقط قمعا فردياً، بل يمس دينامية المجتمع ككل.