منظمة "ستيرك"... خط الدفاع الإنساني لحماية الطفولة في زمن النزاعات

تشكل المبادرات النسائية جدارٍ إنساني يحاول حماية ما تبقّى من طفولة مهددة في ظل الحروب. فلم تعد هذه المبادرات تقتصر على إسعافٍ عاجل أو مساعدة مؤقتة، بل تحوّلت إلى عملٍ طويل يسعى لإعادة بناء شعورهم بالأمان وتقديم الدعم لهم.

أسماء محمد

قامشلو ـ في ظل تصاعد آثار النزاعات المسلحة وما تخلفه من أعباء نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال، تتقدم المبادرات النسائية لتشكل خط الدفاع الإنساني الأول في مواجهة تداعيات الحرب على الطفولة، إذ لم يعد دور هذه المبادرات مقتصراً على تقديم المساعدات الطارئة، بل اتسع ليشمل إعادة ترميم التوازن النفسي والاجتماعي للأطفال وبناء بيئة حاضنة تساعدهم على استعادة حياتهم الطبيعية.

من هذا المنطلق، تعمل منظمة "ستيرك" في مدينة قامشلو في روج آفا عبر برامج متخصصة تقودها نساء يسعين إلى حماية حقوق الطفل ورصد الانتهاكات الواقعة عليه، بالتوازي مع تقديم الدعم النفسي والاجتماعي المستدام.

 

برامج توعوية وأنشطة

أكدت الإدارية في منظمة "ستيرك" صباح فاضل, أن عمل المنظمة يقوم على حماية حقوق الطفل ورصد الانتهاكات التي يتعرض لها في مناطق النزاع، إضافة إلى إصدار بيانات الاستنكار ومناشدة الجهات المختصة لمحاسبة المسؤولين عن الأذى الواقع على الأطفال، إلى جانب تنفيذ برامج توعوية وأنشطة نفسية واجتماعية تهدف إلى تخفيف آثار الحرب والضغط من أجل تحسين أوضاعهم التعليمية والمعيشية.  

وأضافت إن تدخلهم عند وصول طفل يعاني من خوف شديد أو صدمة نتيجة الحرب يستند إلى مبدأ أساسي يتمثل في إعادة الإحساس بالأمان قبل أي إجراء آخر، حيث يستقبل الطفل في بيئة هادئة وآمنة ويعامل بلطف دون إجباره على الحديث، لأن الخطوة الأولى في التعافي هي شعوره بأنه خارج دائرة الخطر.

وبينت أنهم يتواصلون بعد ذلك مع أسرته لفهم ما تعرّض له ووضع خطة دعم مناسبة، تشمل إشراكه في أنشطة التفريغ النفسي مثل الرسم واللعب والأنشطة الجماعية التي تتيح له التعبير بطريقة آمنة، مع العمل على إعادة إدماجه تدريجياً في الأنشطة التعليمية والترفيهية لإعادة الروتين اليومي إلى حياته باعتباره عنصراً جوهرياً في التعافي.

 

احتياجات الطفل النازح تختلف عن المقيم

وأشارت إلى أن عملهم لا يقتصر على جلسات قصيرة الأمد، بل يمتد إلى متابعة طويلة تشمل الطفل وعائلته معاً، انطلاقاً من إدراكهم أن آثار الصدمة لا تزول سريعاً، لذلك تتضمن المتابعة جلسات منتظمة وأنشطة مستمرة وإرشادات للأهل حول كيفية التعامل مع القلق والتوتر، بهدف بناء قدرة الطفل والأسرة على التكيف الصحي مع الظروف القاسية.

ولفتت إلى أن دعم الطفل خلال القصف أو النزوح لا يكتمل دون تمكين الأسرة، لأن الأهل يشكلون مصدر الأمان الأول، ولهذا تعمل المنظمة على تدريبهم للحفاظ على الهدوء أمام أطفالهم وتبني سلوكيات داعمة تساعدهم على تجاوز آثار العنف بأقل ضرر ممكن، موضحة أن أكثر الحالات صعوبة هي تلك التي يشهد فيها الطفل أحداثاً عنيفة مباشرة كفقدان أحد أفراد أسرته أو نجاته من قصف مدمر، إذ تخلف هذه التجارب آثاراً نفسية عميقة تتطلب تدخلاً متخصصاً ووقتاً طويلاً، مؤكدة أن أي تدخل مهما كان بسيطاً قد يحدث فرقاً حقيقياً في حياة طفل يعيش ظروفاً استثنائية.

وأوضحت أن احتياجات الطفل النازح تختلف عن المقيم، فالنازح يفقد منزله وأصدقاءه ومدرسته إضافة إلى شعوره بالأمان، بينما يحتفظ المقيم ببعض عناصر الاستقرار رغم الخوف، ولذلك تبنى الاستجابة وفق ظروف كل طفل على حدى لأن فهم الفروق الدقيقة أساس التدخل الفعال، لافتةً إلى أن إعادة الطفولة للأطفال تعتمد على برامج نفسية واجتماعية متكاملة، كالرسم والتلوين واللعب العلاجي والأنشطة التعاونية، والهدف منها ليس الترفيه فحسب بل إعادة بناء الثقة وتعزيز الشعور بالأمان واستعادة حق الطفل في العيش بطفولته رغم الحرب.

وفي ختام حديثها، أكدت صباح فاضل أن الدعم النفسي للأطفال ضرورة لحماية المستقبل، لأن إهمال الصدمات قد يحولها إلى اضطرابات طويلة الأمد، داعية الأهالي والمؤسسات والمجتمع إلى عدم التقليل من أثر الحرب على الأطفال، فتهيئة بيئة آمنة قد تبدو خطوة بسيطة لكنها استثمار حقيقي في مجتمع أكثر استقراراً، إذ إن حماية الطفل نفسياً اليوم تعني حماية مستقبله غداً.