من رحم الأزمة السورية... مجلس المرأة السورية يبني قوة نسوية عابرة للمناطق والانتماءات

منذ تأسيسه عام 2017، يعمل مجلس المرأة السورية على بناء حركة نسوية موحدة عابرة للمناطق والانتماءات، تدافع عن حقوق النساء، وتعزز مشاركتهن في الحياة السياسية والاجتماعية، وتكرس حضورهن كشريكات أساسيات في رسم مستقبل البلاد.

أسماء محمد

قامشلو - أكدت إدارية مجلس المرأة السورية منى يوسف أن المجلس يواصل جهوده لتوحيد الحركة النسوية السورية وتعزيز مشاركة المرأة في مختلف مجالات الحياة، انطلاقاً من رؤية تقوم على بناء شراكة حقيقية تضمن حضور النساء في رسم مستقبل سوريا وصنع القرار.

شهدت سوريا خلال السنوات الماضية تحولات سياسية واجتماعية عميقة رافقتها حرب طويلة تركت آثاراً قاسية على المجتمع بأكمله. وفي خضم هذه الظروف، برزت المرأة السورية كإحدى أكثر الفئات تحملاً لأعباء المرحلة، إذ واجهت النزوح والتهجير وفقدان الاستقرار الأسري والاجتماعي، إضافة إلى الانهيار الاقتصادي والخدمي الذي أثّر مباشرة على تفاصيل حياتها اليومية، ولم تقتصر معاناة النساء على الجانب الإنساني، بل واجهن أيضاً تراجعاً في فرص المشاركة السياسية والاجتماعية، ما جعلها في صدارة معادلة الصمود المجتمعي.
 

الحاجة إلى إطار نسوي جامع

أمام هذا الواقع، برزت الحاجة إلى إطار قادر على توحيد الجهود النسوية وتنسيقها، والدفاع عن حقوق النساء على المستويات المحلية والوطنية والدولية. ومن هنا جاء تأسيس مجلس المرأة السورية عام 2017 ليكون مظلة جامعة للنساء السوريات بمختلف انتماءاتهن، بهدف تعزيز مشاركتهن في صياغة مستقبل سوريا على أسس العدالة والمساواة والمواطنة.

وفي هذا السياق أكدت إدارية مجلس المرأة السورية في مكتب الجزيرة، منى يوسف، أن تأسيس المجلس جاء استجابة لحاجة ملحّة فرضتها الظروف القاسية التي عاشتها النساء السوريات خلال سنوات الأزمة، مشيرة إلى أن هذه الظروف دفعت ناشطات وحقوقيات سوريات إلى البحث عن إطار نسوي جامع قادر على توحيد الجهود والدفاع عن حقوق المرأة بشكل منظم ومستدام.

وبينت أن المجلس انطلق من رؤية استراتيجية تقوم على توحيد الصوت النسوي السوري وبناء شبكة علاقات واسعة مع المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية، بهدف خلق قوة نسوية قادرة على التأثير في السياسات العامة وصناعة القرار.

وأكدت منى يوسف أن المجلس يتعامل مع قضية المرأة باعتبارها جزءاً أساسياً من مشروع التحول الديمقراطي وإعادة بناء الدولة، مشددة على أن أي مشروع سياسي أو دستوري لا يضمن مشاركة فعلية للنساء لن يحقق العدالة أو الاستقرار المستدام.
 

رؤية المجلس وأهدافه

وأضافت أن المجلس ركز على الوصول إلى النساء في القرى والمناطق النائية، انطلاقاً من قناعة بأن التمكين الحقيقي يجب أن يشمل جميع النساء دون استثناء، مع مراعاة اختلاف الظروف بين المناطق. وفي هذا الإطار، أطلق المجلس برامج تدريبية وورش عمل في القيادة النسوية وإدارة المشاريع وبناء القدرات، إضافة إلى جلسات حوار مجتمعي ومساحات آمنة لتبادل الخبرات.

وفيما يتعلق بالتوسع الجغرافي، أوضحت منى يوسف أن المجلس بدأ عمله في شمال وشرق سوريا، لكنه تمكن خلال السنوات الماضية من بناء حضور تنظيمي في عدد من المناطق السورية عبر مكاتب ولجان وممثليات نسوية، رغم التحديات الأمنية والسياسية. كما نظّم منتديات وندوات حوارية شاركت فيها مئات النساء لمناقشة قضايا تتعلق بمستقبل سوريا، ولا سيما العدالة الانتقالية وإعادة بناء المؤسسات.

وأكدت منى يوسف أن ملف الدستور يعد من أهم الملفات بالنسبة للمرأة السورية، باعتباره الإطار القانوني الذي يحدد شكل الدولة وحقوق المواطنين. وطالبت النساء بضمانات دستورية واضحة تكفل المساواة الكاملة والمشاركة الفعلية في مؤسسات الدولة، إلى جانب مراجعة القوانين التي تتضمن بنوداً تمييزية، وفي مقدمتها قوانين الأحوال الشخصية، معتبرة أن تحقيق العدالة يتطلب إصلاحاً قانونياً شاملاً يعزز مكانة المرأة ودورها.
 

استمرار العمل رغم التحديات

ورغم التحديات التي تواجه العمل النسوي في سوريا، أشارت منى يوسف إلى أن المجلس حقق إنجازات مهمة، أبرزها توحيد الصوت النسوي وتعزيز التواصل بين النساء في مختلف المناطق، وبناء شبكة علاقات واسعة عابرة للحدود. كما ساهم في تسليط الضوء على قضايا المرأة في المحافل المحلية والدولية، ونقل معاناة النساء إلى الجهات الحقوقية، والمشاركة في إعداد تقارير توثيقية حول الانتهاكات التي تعرضن لها.

وشددت إدارية مجلس المرأة السورية منى يوسف في ختام حديثها على أن المرحلة المقبلة تتطلب مستوى أعلى من التنظيم والتنسيق والعمل المشترك، بما يضمن حضوراً حقيقياً وفعّالاً للمرأة السورية في جميع مراحل إعادة بناء الدولة، باعتبارها شريكاً أساسياً لا يمكن تجاوزه في صياغة مستقبل سوريا الجديدة ورسم ملامحها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.