كيف نقنع شابات الثورة بأن التعبير عن الرأي "جريمة"؟

يتجدد الجدل في تونس مع مثول أربع ناشطات شابات أمام التحقيق بعد أربع سنوات من مشاركتهن في احتجاج سلمي، في خطوة أثارت استياءً واسعاً واعتبرت مؤشراً مقلقاً على تراجع الحريات واستهداف الأصوات النسائية المستقلة.

نزيهة بوسعيدي

تونس ـ تتواصل التضييقات والملاحقات الأمنية والمحاكمات للناشطات التونسيات فهل تخشى السلطة من قدرة النساء على قلب الموازين؟

مثلت رحمة الخشناوي أمام التحقيق في إطار سلسلة التحقيقات التي طالت أربع شابات ناشطات بالمجتمع المدني بعد أربع سنوات من المشاركة في تحرك احتجاجي بالعاصمة ضد الاستفتاء على الدستور المؤرخ في 25 تموز/يوليو 2022.

وأثارت سلسلة التحقيقات التي شملت الناشطة الشابة نورس الزغبي الدوزي يوم 3 حزيران/يونيو الجاري، وأسماء فاطمة المعتمري يوم 4 حزيران، وإيمان بن جويرة يوم 5 حزيران، ورحمة الخشناوي يوم 9 حزيران، موجة من الاستياء مع تنظيم وقفات تضامنية من قبل الناشطات والنشطاء على خلفية الدفاع عن حق المجتمع في الاختلاف والنقد والمشاركة في الشأن العام دون خوف.

وفي الحقيقة يصعب إقناع شابات الثورة بأن التظاهر السلمي جريمة تماماً كما يصعب إقناع الطائر الصغير الذي غادر العش بالعودة إليه.

هذا الرباعي يتكون من ناشطات معروفات تنتمين إلى جيل فتح عيناه على الحرية التي جاءت بها ثورة 2011 وتابعن على امتداد سنوات مسار الانتقال الديمقراطي وما عرفته البلاد من مسيرات وتظاهرات تندد بانتهاك الحقوق والحريات وخاصة تلك التي تصدت لمشاريع العودة بالمرأة إلى الوراء ودافعت عن حقها في المشاركة السياسية الفاعلة لا كديكور.

هذا الرباعي كبر وترعرع على أن الحرية هي الأصل في الحياة وما دون سواها مرفوض ومنبوذ في المجتمع التونسي فكيف يمكن أن نقنعه اليوم بأن الحرية (أهم مكاسب الثورة ولأجلها سالت الدماء) أصبحت شأناً من الماضي وأصبح كل من تخول له نفسه التعبير والكلام عرضة للملاحقة والمحاكمة والسجن.

كيف نقنع هذا الرباعي ومن خلاله جميع الشابات والشباب بأن الاحتجاج جريمة؟ وخاصة بعد مرور أربع سنوات من التظاهر السلمي ضد استفتاء كشفت الأرقام ضعف إقبال التونسيين عليه حيث لم يشارك سوى 2.8 مليون ناخب من بين أكثر من 9.2 ملايين ناخبة وناخب مسجلين ولم يتجاوز الشباب 7 بالمائة من مجموع المصوتين.

بمجرد إن تم الإعلان عن خبر مثولهن أمام التحقيق عبرت العديد من الشخصيات الحقوقية والناشطات بالمجتمع المدني عن استيائهن واستغرابهن من هذا الأمر لاسيما بعد مرور كل هذه السنوات، واعتبروا أنه ضرب لأصوات طليقة تناضل من أجل الحقوق والحريات والعدالة والمساواة وضد كل من يتعرض للمساءلة بسبب ممارسته السلمية لحقه في التعبير.

ودعوا إلى التضامن والمساندة مع الشابات لأن الدفاع عن الحريات اليوم ليس دفاعاً عن أشخاص بعينهم، بل هو دفاع عن حق المجتمع في الاختلاف والنقد والمشاركة في الشأن العام دون خوف.

 

جمعيات نسوية وحقوقية تستنكر

وشددت جمعية النساء الديمقراطيات في بيان لها بأن الحق في التعبير والتظاهر السلمي وإبداء الرأي حقوق أساسية تكفلها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان كما تضمنها التشريعات الوطنية، ولا يجوز أن تتحول ممارستها إلى سبب للملاحقة أو التحقيق أو الضغط القضائي.

من جانبها اعتبرت منظمة محامون بلا حدود أن إعادة فتح تتبعات مرتبطة بممارسة الحق في التعبير والتجمع السلمي بعد مرور قرابة أربع سنوات على الوقائع يندرج في سياق مقلق يتسم بتزايد الضغوط والملاحقات التي تستهدف المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان والفاعلين في المجتمع المدني.

وأدانت جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات استدعاء الناشطات الحقوقيات واعتبرت أن هذه التتبعات تمثل شكلاً من أشكال التضييق على حرية التعبير والتجمع السلمي، ومحاولة لترهيب النشطاء والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان بسبب ممارستهم المشروعة لحقوقهم الأساسية.

وطالبت بالإسقاط الفوري لجميع التتبعات والإجراءات المرتبطة بهذه القضية، والكف عن استهداف النشطاء والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، واحترام الحق في التعبير والاحتجاج السلمي وفقاً للالتزامات الدستورية والدولية لتونس.

 

لأنهن نساء

يرى الحقوقيون في تونس أن هذه المحاكمات تأتي ضمن سياق يسعى فيه النظام السياسي الحاكم بعد 25 تموز/يوليو إلى إثارة التهم وفبركة القضايا ضد كل من يطالب بالحرية والعدالة في البلاد ويستهدف النساء بشكل واضح حيث تعددت الأسماء، إذ نجد شيماء عيسى وسنية الدهماني وعبير موسي وشذا الحاج مبارك وسعدية مصباح وشريفة الرياحي والقائمة تطول.

نساء تمت ملاحقتهن والتحقيق معهن وسجنهن باتهامات عديدة اعتبرها المتابعون للشأن العام في تونس تهديداً واضحاً لحرية التعبير وحرية العمل المدني والحقوقي ومعرقل لمشاركة المرأة في الشأن السياسي ومؤسس لسياسة الخوف وتكميم الأفواه والعودة إلى مربع القمع والاستبداد بعد أن قال الشعب "لا لنظام بن علي" وعمل على إسقاطه ثم قال "لا لمنظومة حكم الترويكا" عندما فسحت المجال لأصوات ناعقة تدعو إلى الرجعية والمس من مكتسبات ناضلت لأجلها التونسيات منذ الاستقلال وخرجن بأعداد غفيرة في اعتصام الرحيل وقلبن الموازين في الانتخابات الرئاسية لسنة 2014 عندما منحن أصواتهن للرئيس الراحل الباجي قائد السبسي ليفوز على منافسه المنصف المرزوقي بفارق محترم.

إن ما يجري حالياً في تونس من تضييقات على النساء لا يعكس وعي السلطة بأهمية دور المرأة التاريخي في بناء الوطن ولا وعياً بما بلغته من مكانة هامة بالداخل والخارج تجعلها عصية على جميع المحاولات التي تهدف إلى إخماد صوتها أو إسكاتها.