دهس بالسيارات وعنف جسدي ورقمي... الصحفيات السودانيات في مواجهة الاستهداف

في ظل الصراع الدائر في السودان، تواجه الصحفيات انتهاكات متزايدة تتراوح بين الاعتقال والاختفاء القسري والعنف الجسدي والرقمي، وسط ظروف بالغة القسوة. وتوثّق نقابة الصحفيين السودانيين هذه الانتهاكات، ساعيةًً لحماية الصحفيات وتعزيز فرص المحاسبة وتحقيق العدالة.

ميرفت عبد القادر

السودان ـ في خضم الصراع الدائر في السودان، رُويت عشرات القصص المأساوية، بينما بقيت المئات منها طي الكتمان. وخلف كل خبر وقصة تُروى، امرأة تعيش تفاصيل المأساة، وأخرى تحاول نقلها إلى العالم رغم المخاطر الجسيمة، لتصبح هي نفسها جزءاً من القصة.
 

انتهاكات لقتل الحقائق

منذ اندلاع الصراع منتصف نيسان/أبريل ٢٠٢٣، أصبح الصحفيون هدفاً واضحاً لطمس الحقائق وإيقاف وصولها إلى الرأي العام العالمي، وتعرضت الصحفيات بشكل خاص لشتى وسائل الانتهاكات لإسكات أصواتهن وإبعادهن. ومثلت حادثة مقتل الصحفية حليمة إدريس التي قامت قوات الدعم السريع بدهسها وقتلها أثناء تغطيتها للأحداث، مثالاً صارخاً على هذا الاستهداف، فضلاً عن اعتقال عدد من الصحفيات بتهمة "التخابر مع الطرف الآخر"، وما يتبع ذلك من إيقافهن عن العمل وسحب تراخيصهن.

ووثق تقرير مشترك بين نقابة الصحفيين السودانيين ولجنة حماية الصحفيين انتهاكات واسعة، شملت القتل والاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب والعنف الجنسي ضد الصحفيات، إلى جانب حجب المعلومات وتجريم العمل الصحفي.

وفي آذار/مارس الماضي، اعتقلت قوات الدعم السريع عدداً من الصحفيات على خلفية مشاركتهن في ورشة عمل نظمتها منظمات نسوية حول حقوق المرأة في مدينة نيالا، وما تزال ثلاثة منهن قيد الاعتقال حتى الآن. ورغم إدانة نقابة الصحفيين المتكررة لهذه الاعتقالات ومطالبتها بالإفراج الفوري عنهن، فما زال الاحتجاز مستمراً دون توجيه تهم رسمية أو مثول أمام القضاء، في انتهاك صارخ لمبادئ العدالة وحقوق الإنسان.

 

دور نقابة الصحفيين في حماية الصحفيات

في لقاء خاص لوكالتنا، كشفت سكرتارية الحريات بنقابة الصحفيين السودانيين إيمان فضل السيد، عن حجم الانتهاكات المرتكبة بحق الصحفيات وما وثقته النقابة ضمن دورها الحمائي.

وأوضحت أن الصحفيين عموماً تعرضوا لاستهداف ممنهج من طرفي الصراع؛ مما دفعهم لإخفاء هوياتهم أثناء التنقل بحثاً عن الأمان لهم ولعائلاتهم، مشيرة إلى أن عدداً كبيراً منهم لقوا حتفهم داخل المعتقلات فور التعرف على هوياتهم في نقاط التفتيش.

وعن الانتهاكات التي طالت الصحفيات، أكدت أنهن تعرضن لانتهاكات جسيمة شملت الاغتيالات، الاختفاء القسري، والاعتقالات طويلة الأمد، فضلاً عن الاعتقالات القصيرة وعمليات الاحتجاز.

وأضافت أن ظروف الاحتجاز بالغة السوء وتفتقر إلى الحد الأدنى من المقومات الصحية والبيئية، مع تفشي الأوبئة والأمراض، مما يضاعف من معاناة المحتجزات.

وأشارت إيمان فضل السيد إلى أن النقابة شرعت منذ اندلاع الصراع في رصد وتوثيق انتهاكات طرفي الصراع، وأصدرت تقارير مفصلة وتثبت وقوع ما لا يقل عن 680 حالة انتهاك، الاغتيالات والاحتجاز والاختفاء القسري والتهديدات، إضافة إلى الانتهاكات العابرة للحدود التي طالت الصحفيين اللاجئين في دول الجوار عبر التضييق واقتحام المنابر الإعلامية.

وتحدثت عن صحفية تعرضت للاعتداء أثناء محاولتها دخول منزلها، حيث جرى الاستيلاء على هاتفها وجهازها اللوحي، إلى جانب تهديدها وابتزازها، فضلاً عن كسر يدها. ولم تقتصر التهديدات على الصحفية وحدها، إذ استُخدمت الصور الشخصية لها ولأبنائها، المحفوظة على هاتفها، في عمليات الابتزاز والتهديد، كما امتدت التهديدات إلى أشخاص آخرين كانت بياناتهم ومعلوماتهم موجودة على هاتفها.

وفيما يتعلق بالعنف الرقمي، أكدت أن هناك الكثير من التهديدات ذات الطابع الرقمي التي يتم من خلالها الضغط على الصحفيات، وخلق رقابة ذاتية عليهن.
 

انتهاكات جنسية وعنف جسدي

وعن الانتهاكات الجنسية، أوضحت أن عدداً من الصحفيات تعرضن للتحرش والاعتداء الجنسي، وقد وثّقت النقابة بعضاً منها. غير أن الحجم الحقيقي لهذه الانتهاكات أكبر بكثير مما تم توثيقه، نظراً لتحفظ الضحايا عن الإفصاح خوفاً من الوصمة الاجتماعية أو التبعات الأمنية. واكتفت بعض المواقع الإعلامية بالإشارة إلى هذه الحوادث دون ذكر الأسماء حفاظاً على سلامة الصحفيات.

وفيما يتعلق بقانون جرائم المعلوماتية في السودان، قالت إن القانون بات يُستخدم للضغط على الصحفيين والصحفيات، معتبرة أن السلطات تتعامل معه بوصفه "سيفاً مسلطاً" على العاملين في المجال الصحفي، موضحة أنه بدلاً من توظيف القانون في قضايا إساءة السمعة وغيرها من الجرائم المرتبطة بالفضاء الرقمي، يتم استغلاله، بحسب قولها، لتقييد حرية الصحافة وتكميم الأفواه، من خلال فتح بلاغات تتعلق بالنشر، ولا سيما ضد الصحفيات.

وأضافت أن الصحفية هاجر سليمان تعرضت مؤخراً للاعتقال بموجب هذا القانون، بعد فتح عدد من البلاغات في مواجهتها، إلى جانب اقتحام منزلها واقتيادها منه، معتبرة أن طريقة تطبيق القانون والإجراءات التي يتعرض لها الصحفيون بموجبه تتسم بالقسوة، وترى أنها تكشف عن استهداف واضح ومباشر للصحفيين والصحفيات.

وبالرغم من عدم وجود جهاز تشريعي وبرلمان إلا أنه تمت إجراء تعديلات على هذا القانون في الفترة الأخيرة، وإضافة عقوبة السجن لمدة عام على قضايا النشر، وأول من تمت محاكمته بهذا القانون هي الصحفية رشان أوشي التي تمت محاكمتها بالسجن لمدة عام في قضية نشر.

وعن مدى إسهام التوثيق الذي تقوم به النقابة في تحقيق العدالة والمحاسبة والوصول إلى مزيد من الحريات الصحفية، تقول إيمان فضل السيد إن توثيق الأدلة يمثل أحد العناصر الأساسية لتحقيق العدالة وضمان عدم الإفلات من العقاب في الجرائم والانتهاكات المرتكبة بحق الصحفيين والصحفيات.

وأوضحت أن النقابة تحرص على توثيق الانتهاكات بصورة دقيقة، بحيث يشمل التوثيق مكان وقوع الانتهاك وزمانه والملابسات المحيطة به، إلى جانب تفاصيل الحالة والصحفي أو الصحفية الذين تعرضوا للانتهاك، معتبرة أن هذه المعلومات يمكن أن تشكل أدلة مهمة عند السعي لتحقيق العدالة والمحاسبة.

وأكدت إيمان فضل السيد أن هذه الوثائق تكتسب أهمية خاصة على المستوى الدولي، إذ تعتمد عليها جهات ومنظمات دولية في إعداد تقاريرها المتعلقة بحقوق الإنسان في السودان، بما في ذلك حرية التعبير والحريات الصحفية، مضيفة أن التقارير التي تصدرها النقابة بشأن الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون والصحفيات تسهم في رصد واقع حرية الصحافة وحرية الرأي والنشر في السودان، وتساعد في تحديد مؤشرات الحريات الصحفية وقياس مدى احترامها.