بين ردهات المحاكم وثقل المصاريف تضيع حقوق النفقة

تطرح قضية صعوبة ولوج النساء للعدالة أكثر من سؤال حول تلقي شكايتهن والاستجابة لها من قبل الجهات المختصة، وبين ردهات المحاكم وثقل المصاريف، تضيع حقوقهن وحقوق أطفالهن.

رجاء خيرات

المغرب ـ عقبات كثيرة تعيق ولوج النساء للعدالة من بينها العوامل الاجتماعية والثقافية والشعور بالإهانة والعار والخوف والفقر وتبقى على رأس هذه العوامل الهشاشة الاقتصادية والثغرات القانونية والمساطر المعقدة وضعف خدمات المساعدة والتكفل بهؤلاء النساء.

يكشف الواقع عن أوجه القصور والضعف في الإطار القانوني والسياسي والمؤسساتي في المغرب التي تؤطر الاستجابة لشكاوى النساء، ويشمل ذلك عدم توفير الحماية الكافية للنساء رفقة أطفالهن، خاصة أمام امتناع الأزواج عن الإنفاق على الأسرة.

 

الهشاشة الاقتصادية

ذكرت (س. ف) تبلغ من العمر 30 عاماً، والتي تنحدر من منطقة ستي فاضمة ( تبعد 70 كيلومتراً عن مراكش) أنها لم تعد ترغب في تتبع الدعوى التي رفعتها من أجل الحصول على النفقة بعد طلاقها من زوجها، فقد أذعنت للأمر الواقع بسبب ضيق ذات اليد وثقل المصاريف التي تتطلبها الدعوى.

هذه المرأة التي جاءت من منطقة قروية بعيدة إلى مدينة مراكش من أجل الالتقاء بمحامية وكلتها لمتابعة قضية النفقة، بعد أن تطلقت من زوجها الذي ترك في عهدتها ثلاثة أطفال دون معيل، هي ليست وحدها التي تخلت عن متابعة الزوج بالنفقة، بسبب التعقيدات التي تشمل المساطر القانونية والمصاريف المثقلة لكاهلها، فهي من بين نساء كثيرات تتخلين عن المشوار في نصف الطريق مفضلات الانزواء والركون للصمت بدل الجري وراء حقوقهن التي تضيع أمام الصعوبة في ولوج العدالة.

تقول الناشطة الحقوقية والمحامية بهيئة مراكش خديجة أقبلي "لا تملك النساء الأكثر هشاشة القدرة المالية لتوكيل محام أو محامية وتغطية تكاليف الإجراءات، أقلها تكاليف التنقل إلى المحكمة أو مركز الشرطة أو الدرك، أو حتى لجمعية لمساعدة النساء طلبا للدعم والمساندة، حيث تضطر كثيرات لاقتراض بعض المال من أقاربهن من أجل متابعة القضية".

وأوضحت أن أغلب الزوجات يصرحن أنهن يتكبدن عناء إعالة الأسرة بمفردهن بعد أن يكون الزوج قد تخلى عن التزاماته ومسؤولياته، ويزداد الوضع سوءاً في حال لم يتم تسجيل الأبناء في دفتر الحالة المدنية (الدفتر العائلي)، وهنا يصعب رفع دعوى بالنفقة، حيث يتوجب على الزوجة أولاً أن تدلي بشهادة طبية تثبت الولادة، مما يثقل كاهلها ويدفعها للتخلي عن المتابعة، باحثة عن حلول بديلة أخرى.

كما لفتت إلى التعقيدات التي تطال بعض الإجراءات القانونية، مثل عملية تبليغ الزوج، وهنا يتم اللجوء إلى السلطات المحلية التي ترفض أحياناً تسلم ورقة التبليغ وإيصالها للمعني بالأمر، إذا لم تكن موقعة بختم المحكمة، الأمر الذي يبطل عملية التبليغ برمتها.

أمام هذه التعقيدات، تشعر الموكلة، كما تؤكد خديجة أقبلي، بنوع من "النفور"، مفضلةً التنازل عن حقوقها، نظراً لما تتطلبه العملية من صبر وطول نفس ومصاريف. 

 

غياب صندوق التكافل زاد من تفاقم الأوضاع

تتحدث إحدى المتضررات أنه بعد الزلزال الذي ضرب إقليم الحوز سنة 2023، فوجئت بتوقف الدعم الذي كانت تستفيد منه من صندوق التكافل الاجتماعي، بدعوى أنها ستستفيد من دعم صندوق الكوارث الطبيعية، لكن وبعد التحقق تبين أنها لن تستفيد من هذا الصندوق لعدم استجابتها للمعايير المعتمدة، وفي المحصلة لا هي استفادت من صندوق التكافل ولا وجدت لها موطئ قدم في صندوق الكوارث.

و تساءلت المحامية خديجة أقبلي عن سبب إلغاء صندوق التكافل الذي كان يقدم دعماً للنساء و أسرهن دون سابق إشعار، موضحةً "إننا بصدد العودة إلى الوراء، وأنا شخصياً أعتبر الأمر انتكاسة قانونية، فبعد نضال مرير وجهد كبير استطعنا أن نحصل على هذا المكسب، حيث كان هذا الصندوق على الرغم من بساطة المبالغ التي يصرفها لفائدة النساء اللواتي لم يتمكن من الحصول على النفقة، لكنه على الأقل يساهم ولو بجزء بسيط في تغطية تكاليف الأسرة، فيما اليوم أصبحت النساء، خاصة القرويات يضطررن إلى إرسال أبنائهن للعمل في سن مبكر لتلبية احتياجات الأسرة".

كما دعت إلى البحث عن مصادر لتمويل صندوق التكافل بدل إلغائه كلياً، موضحةً أن هذه القضية شكلت على امتداد السنوات الماضية موضوع بحث وتداول من قبل الهيئات الحقوقية والجمعيات النسوية التي سلطت الضوء على إمكانية البحث عن تمويلات لهذه الصناديق نظراً لأهميتها في التخفيف من عبء المصاريف التي تثقل كاهل النساء المطلقات رفقة أطفالهن.

وطالبت بتدخل الحكومة في تنفيذ أحكام تتعلق بالنفقة، حيث يعجز أحياناً الزوج على أداء مبالغ النفقة على أبنائه، وفي أحيان كثيرة يفضل أزواج قضاء العقوبات البديلة في السجن بدل صرف تعويضات النفقة على أبنائهم مما يجعل الأسرة تعيش في ظروف صعبة، لا تجد معها الزوجة حلاً إلا اللجوء للبيوت قصد العمل كعاملة منزلية، خاصة إذا لم تكن تتوفر على مؤهلات تساعدها على إيجاد فرص في سوق العمل.

وفي ختام حديثها أكدت المحامية خديجة أقبلي أن الهشاشة الاقتصادية تبقى هي العامل الأساسي الذي يعيق ولوج النساء إلى العدالة وتتبع الدعاوى التي يرفعنها إما للتطليق أو المطالبة بالنفقة أو غيرها من المطالب التي تظل معلقة أمام ضيق ذات اليد، وهو ما يدعو إلى تدخل الدولة لتوفير الحماية والدعم لهؤلاء النساء رفقة أطفالهن.