التضامن مع السوريين... كيف اجتمع مغاربة من توجهات مختلفة حول قضية واحدة؟

بين صور متناثرة ووثائق وشهادات شخصية، يسعى أعضاء سابقون في اللجنة الشبابية المغربية لدعم الشعب السوري إلى حفظ ذاكرة واحدة من أبرز تجارب التضامن المدني في المغرب، واستعادة مسار جمع فاعلين من خلفيات مختلفة حول قضية إنسانية مشتركة.

حنان حارت

المغرب ـ لم يعد التحدي بالنسبة إلى أعضاء سابقين في اللجنة الشبابية المغربية لدعم الشعب السوري تنظيم مسيرات أو وقفات تضامنية كما كان الحال قبل أكثر من عقد، بل أصبح يتمثل في إنقاذ ذاكرة تجربة مدنية من الضياع.

فبعد سنوات من انحسار الحراك التضامني مع السوريين، شرع عدد منهم في جمع ما تبقى من صور ووثائق وبيانات ومقاطع فيديو وشهادات توثق أكثر من 300 فعالية تضامنية شهدتها مدن مغربية مختلفة، قبل أن تبتلعها الهواتف القديمة، والحسابات الرقمية المغلقة، وتشتت المشاركين الذين احتفظ كل منهم بجزء من هذا الأرشيف.

يستند هذا التقرير إلى شهادة حنان رحاب، منسقة اللجنة الشبابية المغربية لدعم الشعب السوري، لرصد ظروف تأسيسها، وكيف نجحت في جمع مكونات سياسية ومدنية مختلفة داخل إطار واحد، وأبرز المحطات التي ميزت عملها خلال أكثر من ثلاث سنوات.

 

من درعا بدأت الفكرة

تستعيد حنان رحاب البدايات الأولى للجنة، موضحة أن فكرة تأسيسها جاءت مباشرة بعد اندلاع الاحتجاجات في مدينة درعا السورية خلال آذار/مارس 2011، تضامناً مع الشعب السوري، ولا سيما أطفال درعا الذين أثارت صور اعتقالهم وتعذيبهم تعاطفاً واسعاً في تلك الفترة.

وتقول إن الصور ومقاطع الفيديو التي كانت تصل من سوريا عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الافتراضي نقلت حجم المعاناة التي عاشها المدنيون في المدن التي شهدت انطلاق الاحتجاجات، وهو ما دفع عدداً من الفاعلين الشباب في المغرب إلى التفكير في إنشاء إطار مدني يعبر عن هذا التضامن.

وتضيف أن عدداً من الشباب رأوا في التضامن مع الشعوب المطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية موقفاً مبدئياً، وهو ما قاد إلى تأسيس اللجنة الشبابية المغربية لدعم الشعب السوري، بمشاركة أكثر من سبعة مكونات سياسية ومدنية.

وتوضح أن اللجنة ضمت منذ انطلاقها فاعلين من أحزاب يسارية، وتنظيمات ذات مرجعية إسلامية، إلى جانب نقابيين وحقوقيين وفاعلين مدنيين، في تجربة جمعت أطرافاً مختلفة داخل إطار واحد مع احترام استقلالية كل مكون، بهدف دعم الشعب السوري والتعريف بمعاناته.

 

أكثر من 300 فعالية في مدن مغربية

وسط هذا التنوع، تولت حنان رحاب تنسيق أعمال اللجنة، وهي مهمة لم تقتصر على الإعداد للوقفات والمسيرات، بل شملت التنسيق بين مختلف المكونات، وتوزيع الأدوار، وضمان استمرارية المبادرات التي كانت تنظم بوتيرة منتظمة.

وتقول إن اللجنة منذ تأسيسها، حرصت على أن يتجاوز عملها حدود البيانات والمواقف الرمزية، لتنتقل إلى برنامج ميداني متواصل شمل وقفات احتجاجية، ومسيرات تضامنية، وندوات للتعريف بالأوضاع الإنسانية في سوريا، إلى جانب مهرجانات ثقافية، وأمسيات شعرية، ولقاءات مع أفراد من الجالية السورية المقيمة في المغرب.

وامتد نشاطها إلى مدن مغربية عدة، حيث نظمت فعاليات تضامنية ووقفات احتجاجية، من بينها وقفات أمام السفارة السورية، في وقت كانت فيه القضية السورية تحظى بحضور واسع في النقاش العمومي المغربي.

 

ذروة التعبئة

ومن بين مختلف المبادرات التي نظمتها اللجنة، تبرز مسيرة ساحة "السراغنة" بمدينة الدار البيضاء، التي نظمت في 26 شباط/فبراير 2012، وشهدت مشاركة آلاف المغاربة، لتشكل واحدة من أبرز محطات التضامن المغربي مع الشعب السوري.

وتصف حنان رحاب هذه المسيرة بأنها ثمرة عمل جماعي استمر لأسابيع، وجسد قدرة مكونات سياسية ومدنية متباينة على العمل المشترك دفاعاً عن قضية إنسانية.

وترى أن حجم التعبئة التي رافقت أنشطة اللجنة لم يكن معزولاً عن التفاعل الشعبي الواسع مع ما كان يجري في سوريا آنذاك. وتقول إن متابعة المغاربة لتطورات الأحداث كانت لافتة إلى درجة أن "أي مغربي كنت ستسأله في تلك الفترة عن سوريا، كان يعرف ما يجري في حلب أو دير الزور أو درعا أو ريف دمشق، ويعبر بوضوح عن تضامنه مع الشعب السوري ورفضه لما يتعرض له المدنيون من قتل وترهيب".

وتعتبر أن هذا الوعي العام ساهم في منح المبادرات التضامنية زخماً شعبياً، وجعل القضية السورية حاضرة بقوة في النقاش العمومي بالمغرب خلال تلك السنوات.

وتضيف أن اللجنة كانت تنطلق من قناعة مفادها أن مطالب الشعوب بالحرية لا ينبغي أن تواجه بالعنف، وهو ما انعكس في استمرار المبادرات التي شاركت في تنظيمها نساء مغربيات من تنظيمات حزبية ذات مرجعيات سياسية مختلفة، إلى جانب ناشطات حقوقيات ومدنيات، وأسهمن في التنسيق بين مكونات اللجنة، والإعداد للأنشطة، والتعبئة، وتنظيم المبادرات الثقافية والحقوقية وحملات التضامن الإنساني مع السوريين.

وبالنسبة إلى حنان رحاب، التي تولت تنسيق أعمال اللجنة طوال سنوات نشاطها، لم يكن هذا الانخراط من دون كلفة شخصية، فقد تعرضت بسبب مواقفها الداعمة للشعب السوري إلى حملات من السب والقذف والاتهامات.

 

ذاكرة تجربة مدنية

اليوم، وبعد أكثر من عقد على انطلاق اللجنة، يعود عدد من أعضائها السابقين، نساء ورجالاً، إلى جمع ما تبقى من صور ووثائق وشهادات توثق تلك المرحلة، في محاولة للحفاظ على ذاكرة واحدة من أبرز تجارب التضامن المدني المغربي مع الشعب السوري.

وبينما تتوزع اليوم وثائق تلك التجربة بين أرشيفات شخصية وصور متناثرة وحسابات رقمية مهددة بالاختفاء، يسعى القائمون على مبادرة التوثيق إلى الحفاظ على هذا الإرث، ليس بوصفه سجلاً لفعاليات تضامنية فحسب، بل شاهداً على تجربة مدنية أظهرت كيف استطاعت قضية إنسانية أن تجمع أطيافاً سياسية ومدنية مختلفة، وأن تبرز في الوقت نفسه الدور الذي اضطلعت به النساء في التنظيم والتنسيق واستمرارية العمل المشترك.