السويداء بعد المجازر... مجتمع يعيد بناء نفسه وسط انعدام الثقة السياسية

أكدت الناشطة نجوى الطويل بأن الإبادة التي ارتكبها جهاديي هيئة تحرير الشام بحق الأهالي في السويداء شكّلت نقطة انكسار في العلاقة مع السلطة المؤقتة، مبينة بأن مطالب الأهالي اليوم هي حماية المدينة وتعزيز أمنها الداخلي.

روشيل جونيور

السويداء ـ في أعقاب سقوط النظام، دخلت السويداء جنوب سوريا مرحلة شديدة الحساسية أمنياً وسياسياً، فالمدينة التي شارك ناشطوها نساء ورجال في الحراك الوطني المطالب بدولة حريات وكرامة، وجدت نفسها لاحقاً أمام وقائع دموية وانقسامات عميقة أعادت صياغة أولوياتها. 

ووفق حديث الناشطة المدنية والنسوية نجوى الطويل لوكالتنا فإن ما جرى لم يكن مجرد خلاف سياسي، بل تحول إلى أزمة ثقة وجودية دفعت المجتمع المحلي إلى إعادة ترتيب حساباته، واضعاً الأمان في المقام الأول.

واعتبرت أن سلسلة الأحداث الدامية من مجازر الساحل، مروراً بأحداث صحنايا والأشرفية والصورة، وصولاً لمجازر السويداء شكلت نقطة الانكسار الأساسية في العلاقة مع السلطة الانتقالية، فبالنسبة لشريحة واسعة من أهالي المدينة لم تعد المسألة سياسية فحسب، بل باتت مرتبطة بالأمان الجسدي والخوف من الاستهداف على خلفية دينية.

وأشارت نجوى الطويل إلى أن ما جرى في مناطق أخرى بعد تسليم السلاح، وما تردد عن انتهاكات وخطف نساء، عزز المخاوف من الاندماج العسكري ضمن تشكيلات لم تحسم هويتها الوطنية بشكل واضح، لذلك، "أصبحت مسألة تسليم السلاح قضية شديدة الحساسية"، خاصة في ظل تصاعد خطاب كراهية ضد الدروز، ووقوع حوادث عنف طالت طلاباً دروزاً في جامعات سورية.

 

"انفصال شعوري" وفقدان الثقة

ولم تتحدث نجوى الطويل عن انفصال جغرافي، بل عن "انفصال شعوري" نشأ نتيجة الشعور بالخذلان، ليس فقط من السلطة، بل أيضاً من قطاعات من المجتمع السوري التزمت الصمت أو أنكرت وقوع الانتهاكات "هذا الشعور، عمق الشرخ الوطني وأضعف الثقة التي كانت قائمة خلال سنوات النضال المشترك ضد الاستبداد".

 

إدارة ذاتية وهيكلية أمنية محلية

كما ذكرت نجوى الطويل أن السويداء تدير شؤونها عملياً منذ عام 2015 بصورة شبه ذاتية، في ظل تراجع مؤسسات الدولة المركزية عن أداء وظائفها الأساسية وحتى اليوم تعمل الفعاليات المحلية على مأسسة الواقع الأمني عبر تشكيل هيكلية واضحة لقوى الأمن الداخلي، مع استمرار عناصر الشرطة والأمن الجنائي في أداء مهامهم رغم غياب الرواتب، إضافة إلى تنظيم عمل ما يعرف بـ "الحرس الوطني" وضبط الفصائل المحلية ضمن تراتبية إدارية تهدف إلى تقليص الفوضى وضمان مرجعية موحدة.

وترى أن هذه الإجراءات، رغم ما يعتريها من ثغرات محدودة، أسهمت في الحفاظ على مستوى أمني مستقر نسبياً مقارنة بمناطق سورية أخرى، مؤكدةً أن الفصائل المحلية لم تنخرط في عمليات قتالية خارج حدود مدينة السويداء، بل حددت دورها بحماية المنطقة ومنع انزلاقها إلى صراعات أوسع.

 

تحديات الحصار والخدمات

تصف نجوى الطويل الوضع بأنه "حصار غير معلن"، يتمثل في عرقلة دخول الطحين والكهرباء وبعض الإمدادات، وتأخير الموافقات اللازمة لحركة البضائع، ومع ذلك، يعتمد المجتمع بشكل كبير على موارده الذاتية ودعم المغتربين لتأمين الحد الأدنى من الاستقرار الخدمي والاقتصادي، رغم الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية وتهجير سكان عشرات القرى.

 

التطورات السياسية ومآلات العلاقة مع السلطة

انطلقت السويداء كغيرها من المناطق، من حلم دولة المواطنة المتساوية غير أن مؤتمر الحوار الوطني، ثم الإعلان الدستوري، لم يلبيا تطلعات شريحة واسعة من السوريين، وتحديداً أثار اعتماد الفقه الإسلامي مصدراً للتشريع دون توضيحات ضامنة للتعددية رفض سياسي قائم على فقدان الثقة.

وبينت أن العلاقة مع "السلطة الانتقالية لا تشهد تطوراً يذكر"، في ظل رفض واسع داخل السويداء للتفاوض معها، باعتبار أن الثقة "تآكلت بعد الأحداث الدامية"، ولم تتخذ خطوات واضحة للاعتراف أو المساءلة أو جبر الضرر.

ومطالبة "الضحية" بالمبادرة لحل الأزمة أمر غير منطقي، كما تقول "ما لم تقترن العملية السياسية بإجراءات ملموسة تعيد الطمأنينة وتؤسس لمسار عدالة انتقالية واضح".

 

نقاش داخلي حول المستقبل

داخل السويداء، يدور نقاش حول خيارات متعددة من اللامركزية الإدارية الموسعة، إلى الفيدرالية أو غيرها من الصيغ، غير أن هذه الطروحات تبقى مؤجلة عملياً في ظل استمرار التوتر الأمني وخطاب التحريض، إذ تبقى الأولوية حالياً لترسيخ الاستقرار الداخلي.

 

أولوية الأمان وبناء الداخل

وشددت نجوى الطويل على أن المجتمع المحلي لا يعول حالياً على دعم سياسي خارجي، بل يركز على حماية المدنيين، وضمان استمرار التعليم والخدمات، وتعزيز التماسك المجتمعي، معتبرةً أن السويداء تسعى اليوم إلى "إعادة بناء ذاتها" اعتماداً على قدراتها الداخلية، بانتظار مسار وطني أوسع يعيد الثقة ويؤسس لدولة مؤسسات حقيقية.