المرأة في إقليم شمال وشرق سوريا... شريكة أساسية في صنع القرار ونواة التحول المجتمعي

تعيش المرأة في إقليم شمال وشرق سوريا مرحلة تحول تاريخية غير مسبوقة، انعكست على حضورها في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بعد سنوات طويلة من التهميش والإقصاء، لتصبح اليوم فاعلاً رئيسياً في مؤسسات الإدارة الذاتية وصنع القرار.

أسماء محمد

قامشلو ـ يشهد إقليم شمال وشرق سوريا منذ أكثر من عقد تحولات عميقة في واقع المرأة، تمثلت بانتقالها التدريجي من التهميش والإقصاء إلى موقع الشراكة الفعلية في مختلف مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. هذا التحول لم يكن حدثاً عابراً، بل جاء نتيجة مسار طويل من النضال والعمل المنظم الذي خاضته النساء، وأسهم في إحداث تغييرات واضحة على مستوى القوانين، والذهنية المجتمعية، وآليات المشاركة في مؤسسات الإدارة الذاتية.

في ظل هذه التحولات، برز دور القيادات النسوية والمؤسسات المعنية بشؤون المرأة في الدفع نحو ترسيخ حقوقها وتعزيز حضورها في مواقع صنع القرار، رغم استمرار التحديات الاجتماعية والثقافية التي ما تزال تعيق تحقيق تغيير جذري وشامل في بعض المناطق.

 

ثورة اجتماعية حقيقية

أكدت عضوة منسقية مجلس المرأة في إقليم شمال وشرق سوريا عبير حصاف أن "المرأة في المنطقة تعيش اليوم مرحلة تحول تاريخية ونقلة نوعية غير مسبوقة، لم يقتصر تأثيرها على مشاركتها في الإدارة أو العمل السياسي فحسب، بل امتد ليشمل مختلف مناحي الحياة الاجتماعية الثقافية والاقتصادية".

وأوضحت أن ما تحقق من إنجازات لم يكن وليد الصدفة أو ظرف عابر، بل هو ثمرة مسار طويل من النضال المتواصل والعمل المنهجي، بدأ منذ عام 2012 مع تأسيس وحدات حماية المرأة، وتطور تدريجياً ليشمل تعزيز الدور الأكاديمي والقانوني للمرأة، وضمان مشاركتها الفعلية في صياغة العقد الاجتماعي، وصولاً إلى ترسيخ حضورها كشريك أساسي في مواقع صنع القرار ضمن مؤسسات الإدارة الذاتية.

وأوضحت أن المجتمع في إقليم شمال وشرق سوريا بدأ يشهد تحولات واضحة في الذهنية الاجتماعية تجاه المرأة، حيث تم كسر العديد من القيود والعوائق التي كانت تحاصرها في العمل العام والحياة اليومية، سواء على المستوى الاجتماعي أو المهني، إلا أنها أكدت في الوقت ذاته أن هذه الإنجازات ما تزال في مراحلها الأولى، إذ تواجه قوانين المرأة، وخاصة في بعض المناطق الريفية، تحديات تتعلق بصعوبة التقبل الاجتماعي، ما يتطلب مزيداً من الوقت والجهد لإحداث تغيير جذري، عميق ومستدام في البنية المجتمعية والثقافية.

وعن دور مجلس المرأة، أوضحت عبير حصاف أن المجلس يشكل مظلة جامعة لأكثر من خمسين منظمة وحزباً ومؤسسة ومنسقية نسوية، ويضطلع بدور محوري وأساسي في رفع مستوى الوعي المجتمعي، ومعالجة القضايا الاجتماعية، والدفاع عن حقوق النساء.

وبينت أن هذا العمل لا يقتصر على النشاطات النظرية، بل يتجسد عملياً من خلال عشرات بل مئات الجلسات الحوارية، الورشات التدريبية، المؤتمرات والمنتديات التي نُظمت في مقاطعات عديدة مثل الرقة، دير الزور والطبقة، بهدف خلق أرضية مجتمعية متقبّلة لقوانين الأسرة، التي شكّلت بحد ذاتها ثورة اجتماعية حقيقية في المنطقة.

 

رؤية موحدة وهدف واحد

وأكدت أن جميع المؤسسات والمنظمات المنضوية تحت مظلة مجلس المرأة تعمل ضمن رؤية موحدة وهدف واحد يتمثل في إحداث تغيير حقيقي في نظرة المجتمع تجاه المرأة، الحد من العنف الأسري، وتمكين النساء لتكن الفاعل الأساسي في بناء المجتمع، مشددة على أن تمثيل مجلس المرأة في مجلس الشعوب ضمن الإدارة الذاتية يتيح له متابعة تفاصيل القوانين والتشريعات والقرارات، ونقل صوت النساء ورؤيتهن واحتياجاتهن بشكل مباشر وفعال إلى مراكز صنع القرار.

وفي ختام حديثها وجهت عبير حصاف رسالة إلى النساء العاملات والفاعلات في مختلف المجالات، مؤكدة أن المسؤولية تقع على عاتق كل امرأة بأن تمد يدها وتحتضن أكبر عدد ممكن من النساء، لأن قوة المرأة الحقيقية تكمن في وحدتها وتضامنها "قد تكون كل واحدة منا فرداً، لكن عندما نتحد نصبح قوة قادرة على صناعة التغيير الديمقراطي الحقيقي. المرأة كانت وستبقى الحاملة الأساسية للتغيير، والحافظة للقيادة الثقافية والتاريخية لجميع مكونات إقليم شمال وشرق سوريا".

 

 

من المشاركة الشكلية إلى الدور الريادي

من جانبها أشارت صباح شابو ممثلة المرأة السريانية في مجلس المرأة في إقليم شمال وشرق سوريا وعضوة الاتحاد النسائي السرياني، إلى الدور الريادي للمرأة في المجال السياسي، مؤكدة أن "تواجد المرأة في المجال السياسي سابقاً كان محدوداً جداً، وغالباً ما كان غائباً، نتيجة النظام الدكتاتوري الذي منع وجود أحزاب سياسية خارج حزب البعث، ما حدد دور المرأة في المشاركة الشكلية دون منحها أي فرصة للوصول إلى مواقع صنع القرار أو التأثير الفعلي في السياسات العامة".

وأكدت أن غياب التعددية الحزبية أسهم في تهميش المرأة سياسياً، وحرمها من فرص الانخراط في العمل السياسي الحر، إضافة إلى العادات والتقاليد التي حصرت دور المرأة في الإطار الاجتماعي والأسري، بعيداً عن الشأن العام، ما عمق الفجوة بين المرأة والمشاركة السياسية لسنوات طويلة.

وبينت أن المشهد السياسي بدأ يشهد تغييرات واضحة منذ عام 2011، خاصة في مناطق إقليم شمال وشرق سوريا، مع ظهور أحزاب سياسية جديدة وتطور بنى الإدارة الذاتية الديمقراطية، مشيرة إلى أن تأسيس الاتحاد السرياني ومشاركته الفاعلة في الإدارة الذاتية الديمقراطية خلق فرصة كبيرة أمام المرأة للمشاركة السياسية، إضافة إلى تأسيس مكتب المرأة الذي تديره النساء بأنفسهن، والذي ساهم في تمكين المرأة، وتطوير قدراتها، وتعزيز دورها في مواقع صنع القرار.

وأوضحت أن المرأة اليوم تلعب دوراً أساسياً في مختلف مفاصل الإدارة، حيث تمثل حوالي 50% من الهيئات التشريعية، وتشارك بفعالية في المجالس التنفيذية المسؤولة عن اتخاذ وتنفيذ القرارات، ما يعكس تطوراً نوعياً في مكانتها ودورها السياسي، ويجعل تجربة إقليم شمال وشرق سوريا نموذجاً يطلق عليه "ثورة المرأة" نظراً للدور الريادي الذي لعبته النساء في قيادة الحراك السياسي والاجتماعي وإحداث التغيير على الأرض.

 

المرأة تطالب بحقوق الشعب بأكمله

وأكدت صباح شابو أن المرأة لم تعد تطالب بحقوقها وحريتها فقط، بل تطالب بحقوق الشعب أكمله، فهي جزء أصيل من المجتمع، وتمثل صوت المجموعة العامة، وتتصرف انطلاقاً من هموم المجتمع وقضاياه، وليس كفئة منفصلة تطالب بامتيازات خاصة.

وأشارت إلى أن التحديات لا تزال قائمة "تواجه المرأة الذهنية الذكورية الراسخة والخطاب الديني المتشدد الذي يقيد مشاركتها في الحياة السياسية والاجتماعية. كما يواجه المكون السرياني تحديات إضافية، نتيجة النظرة الاختزالية التي تختزل هويته بالمكون الديني فقط، ما يؤدي إلى التعامل معه كمجموعة دينية لا كشعب يمتلك لغة وثقافة وتاريخاً وحضارة، وبالتالي تهميش مطالباته السياسية".

وفي ختام حديثها قالت صباح شابو إن المكون السرياني "حصل على حقوقه في ظل الإدارة الذاتية، لكنه يسعى لتثبيتها دستورياً على مستوى سوريا كلها ضمن نظام ديمقراطي تعددي، كما أثبتت المرأة حضورها السياسي والاقتصادي والعسكري رغم التهميش الأولي، وتواجه تحدي الذهنية التقليدية، لكنها أصبحت حجر أساس في نهضة المجتمع وشريكاً رئيسياً في بناء مستقبل سوريا الجديد".