الإنصات كحق منسي.. كيف تستعيد النساء المغربيات أصواتهن قبل العدالة؟
في مجتمع يفرض أحياناً حكمه الصامت على النساء، يصبح الإنصات أكثر من مجرد استماع؛ إنه حق إنساني أساسي يسبق أي مسار قانوني أو اجتماعي.
حنان حارت
المغرب ـ قبل أي مسار قانوني، وقبل الشكايات والإجراءات، تحتاج كثير من النساء ضحايا العنف أو الإقصاء الاجتماعي إلى أمر يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق الأثر: أن ينصت إليهن، فسنوات الصمت، والخوف من الوصم، وانعدام الثقة في المحيطين الاجتماعي والمؤسساتي، تجعل من الكلام فعلاً شجاعاً ومكلفاً.
في هذا السياق المغربي، حيث تتقاطع العوائق الثقافية والاقتصادية مع هشاشة الحماية الاجتماعية، يمكن للإنصات أن يشكل نقطة تحول تغير مسار حياة كاملة، فهناك مغربيات وجدن في فضاءات الدعم الجمعوي، أو الجلسات النفسية، أو مجموعات الإنصات، لحظة اعتراف أعادت إليهن الثقة في ذواتهن، وكسرت سنوات من الصمت المرتبط بالوصم والخوف الاجتماعي.
ماذا يحدث حين تجد المرأة المغربية من يسمعها؟
سمية. ع، (34 سنة)، مطلقة منذ عامين وأم لطفلين، وجدت نفسها في مواجهة نظرات اجتماعية قاسية تقول "منذ طلاقي تغيرت حياتي، أصبحت أشعر أن كل نظرة تحمل حكماً، وكأنني ارتكبت خطأ لا يغتفر".
تدريجياً، تحولت هذه الأحكام الصامتة إلى عزلة أثرت على حياتها اليومية وصحتها النفسية، إلى أن التحقت بمجموعة دعم نسوية عبر الإنترنت "عندما دخلت المجموعة، شعرت بأنني مسموعة.. تكلمت دون خوف، واكتشفت أن تجاربي ليست عيب".
المشاركة في النقاشات وتبادل التجارب ساعدت سمية. ع على استعادة ثقتها بنفسها والاندماج مجدداً في حياتها الاجتماعية والعملية "تعلمت كيف أعتني بنفسي وأحمي صحتي النفسية، وبت أشعر أن لحياتي قيمة، رغم كل ما مررت به".
فضاءات الإنصات ما بين الدعم والحق
في المغرب، تلعب فضاءات الإنصات دوراً محورياً في مرافقة النساء ضحايا العنف، ليس فقط عبر الدعم النفسي أو التوجيه القانوني، بل من خلال توفير مساحة آمنة تمكن النساء من التعبير عن معاناتهن دون خوف أو حكم.
ولا تشير فضاءات الإنصات إلى مؤسسة واحدة موحدة، بل إلى شبكة من المبادرات التي تقودها أساساً جمعيات المجتمع المدني، خاصة الجمعيات النسائية، وتعمل أحياناً بدعم أو شراكة مع مؤسسات رسمية.
تجارب ميدانية متعددة تظهر أن لحظة الإنصات الأولى غالباً ما تكون لحظة مفصلية، فمجرد وجود شخص مستعد للاستماع، بسرية، يفتح الباب أمام مسار استعادة الثقة بالنفس، ويمكن النساء من رؤية خيارات لم تكن متاحة سابقاً، غير أن هذا الإنصات، بحسب الفاعلات الميدانيات، لا يمكن أن يكون ارتجاليا أو قائماً على التعاطف وحده، بل يحتاج إلى تأطير مهني دقيق.
في هذا الإطار، توضح أمينة باججا، منسقة مراكز الاستماع بجمعية التحدي للمساواة والمواطنة، التي تعمل في هذا المجال منذ خمس سنوات، أنها تستمع يومياً لما بين أربع وعشر حالات، سواء عبر الهاتف أو من خلال لقاءات مباشرة داخل مقر الجمعية.
وتؤكد أن الإنصات داخل مراكز الاستماع لا يختزل في التعاطف أو حسن النية، بل يعد ممارسة مهنية دقيقة تتطلب تدريباً متخصصاً وخبرة ميدانية وفهماً عميقاً لتعقيدات العنف القائم على النوع الاجتماعي، فحسب قولها، لا يمكن لأي شخص أن يقوم بدور المستمع، لأن الإنصات غير المؤطر قد يعيد إنتاج الأذى بدل تخفيفه.
وتوضح أن المرأة التي تلج فضاء الاستماع لأول مرة تكون غالباً في وضعية هشة، مثقلة بالخوف، وفاقدة للثقة، وغير متيقنة من طريقة استقبالها أو من تبعات كلامها "كثير من النساء يأتين دون معرفة مسبقة بماهية مراكز الاستماع أو دورها، ويحملن تخوفات مرتبطة بإمكانية انكشاف أسرارهن أو الحكم عليهن اجتماعياً، ما يجعل توفير فضاء آمن قائم على السرية والاحترام شرطاً أساسياً لكسر الصمت".
الاعتراف بالإنصات كحق إنساني
وترى أمينة باججا أن لحظة الإنصات الأولى تشكل نقطة تحول حاسمة في مسار النساء ضحايا العنف، ليس لأنها تقدم حلولاً فورية، بل لأنها تمنح اعترافاً إنسانياً غائباً في محيطهن الاجتماعي "أن تجد المرأة شخصاً يستمع إليها دون إدانة، ويفكر معها في وضعها، ويؤكد لها أنها ليست وحدها، يشكل بداية لاستعادة الثقة بالنفس والقدرة على اتخاذ القرار".
وتشير إلى أن الإنصات يمكن العاملات من فهم أعمق لتعقيدات الوضع الذي تعيشه المرأة، سواء على المستوى النفسي أو القانوني أو الاجتماعي، ويساعد في توجيهها نحو المسارات الأنسب لوضعها، بدل فرض حلول جاهزة قد لا تتلاءم مع واقعها، كما يشكل الإنصات مدخلاً أساسياً للترافع من أجل حقوق النساء، لأنه يسمح بتجميع المعطيات وفهم أنماط العنف والانتهاكات التي يتعرضن لها.
وبينت أن الحواجز التي تمنع النساء من طلب المساعدة لا تقتصر على الخوف النفسي، بل تشمل أيضاً عوامل اجتماعية واقتصادية، أبرزها الهشاشة المادية وغياب الاستقلال "كثير من النساء يترددن في اتخاذ أي خطوة خوفاً من فقدان المأوى أو مصدر العيش، أو لعدم توفرهن على دعم قانوني أو نفسي، ما يدفعهن في نهاية المطاف إلى الاستسلام للعنف والاستمرار في العيش داخله لسنوات طويلة".
وأكدت منسقة مراكز الاستماع أمينة باججا أن بناء الثقة والأمان عبر الإنصات ليس مرحلة ثانوية، بل هو الأساس الذي يبنى عليه أي تدخل لاحق "الاعتراف بالإنصات كممارسة مهنية وحق إنساني للنساء يظل شرطاً جوهرياً لمواجهة العنف وضمان الكرامة".