أكبر موجة عبور إلى سبتة... ما الذي دفع آلاف المغاربة إلى المخاطرة؟
بين حكم قضائي إسباني أثار جدلاً، وشائعات انتشرت عبر مواقع التواصل الافتراضي، وأوضاع اجتماعية واقتصادية متراكمة، شهد شمال المغرب واحدة من أكبر موجات العبور الجماعي نحو مدينة سبتة، في مشهد أعاد ملف الهجرة غير النظامية إلى واجهة النقاش.
حنان حارت
المغرب ـ لم يكن صباح الثلاثين من تموز/يوليو يوماً عادياً على الشريط الساحلي المقابل لمدينة سبتة المغربية الخاضعة للإدارة الإسبانية، فمنذ الساعات الأولى، بدأت مجموعات من الشبان تتوافد إلى الشواطئ الممتدة بين مدينة الفنيدق والمناطق المجاورة، قبل أن تتحول، في وقت قصير، إلى حشود كبيرة من الرجال والنساء والأطفال والعائلات، يجمعهم هدف واحد: الوصول إلى الضفة الأخرى.
لفهم كيف وصلت الأمور إلى هذه اللحظة، لا بد من العودة إلى الأيام التي سبقت موجة العبور، حين تداخل حكم قضائي إسباني مع تأويلات واسعة على مواقع التواصل الافتراضي، في سياق يتسم بتحديات اقتصادية واجتماعية دفعت كثيرين إلى البحث عن منفذ نحو أوروبا.
ففي الثامن من تموز/يوليو، أصدرت المحكمة العليا الإسبانية حكماً اعتبرت فيه أن المهاجرين الذين يعثر عليهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية لا تنطبق عليهم إجراءات "الإعادة الفورية" المطبقة على من يجتازون السياج الحدودي، وإنما يجب إخضاعهم للإجراءات القانونية المنصوص عليها في قانون الأجانب الإسباني.
ورغم أن القرار لم يمنح حق الإقامة، ولم يفتح الباب أمام تسوية أوضاع الوافدين، فإن مضمونه سرعان ما تحول إلى مادة للنقاش والتأويل على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث انتشرت منشورات فسرت الحكم على أنه يعني أن من يصل إلى سبتة بحراً لن يعاد إلى المغرب.
وفي المقابل، أكدت السلطات الإسبانية أن هذه القراءة غير دقيقة، مشيرة إلى أن شبكات تهريب المهاجرين استغلت هذه التأويلات لتشجيع مزيد من الأشخاص على خوض الرحلة.
ولم يكن اختيار سبتة صدفة، فهي تشكل، بحكم موقعها الجغرافي، إحدى أقرب بوابات الاتحاد الأوروبي إلى القارة الإفريقية، ما جعلها، منذ عقود، وجهة رئيسية للراغبين في الهجرة غير النظامية.
وبالنسبة إلى كثير من الشباب، فإن مجرد الوصول إليها ينظر إليه على أنه الخطوة الأولى نحو أوروبا، رغم أن الانتقال منها إلى البر الإسباني يخضع لإجراءات قانونية وأمنية معقدة.
ومع اتساع نطاق الشائعات، بدأت أعداد متزايدة من الأشخاص تتجمع على الشواطئ الشمالية، قبل أن تتحول خلال ساعات إلى أكبر موجة عبور جماعي عرفتها سبتة في السنوات الأخيرة.
وبحسب أحدث المعطيات التي أعلنتها السلطات الإسبانية، عبر ما بين 50 ألفا و60 ألف شخص إلى مدينة سبتة خلال ذروة موجة العبور الجماعي، فيما عاد أكثر من 48 ألفا إلى المغرب خلال اليومين التاليين، في حين ارتفعت حصيلة الضحايا إلى أكثر من 67 وفاة.
حين هاجرت العائلة
إذا كانت موجات الهجرة غير النظامية السابقة ارتبطت في الغالب بشباب يسافرون بمفردهم، فإن ما شهدته سبتة هذه المرة كشف عن تحول في طبيعة الظاهرة، فقد أظهرت المشاهد التي تداولت عبر منصات التواصل الافتراضي أباء يحملون أبناءهم، وأمهات يرافقن أطفالهن، وعائلات بأكملها اختارت خوض البحر في محاولة للوصول إلى المدينة.
ولم تكن جميع الرحلات تنتهي بالوصول، فقد تحولت المياه الفاصلة بين الساحل المغربي وسبتة إلى مسرح لعمليات إنقاذ متواصلة، فيما أعلنت السلطات الإسبانية ارتفاع عدد الضحايا في حصيلة أعادت إلى الواجهة الثمن الإنساني الباهظ الذي تخلفه الهجرة غير النظامية.
ومع استمرار تدفق الوافدين، وجدت سبتة نفسها أمام وضع استثنائي، إذ امتلأت مراكز الاستقبال سريعاً، واضطرت السلطات الإسبانية إلى توفير فضاءات إضافية لإيواء الوافدين، بالتزامن مع انتشار أمني واسع وصعوبة في استيعاب الأعداد الكبيرة التي وصلت خلال فترة وجيزة.
غير أن الواقع داخل المدينة كان مختلفا عما تصوره كثيرون قبل العبور. فالوصول إلى سبتة لم يكن يعني الانتقال إلى البر الإسباني أو بدء حياة جديدة في أوروبا، بل وجد الوافدون أنفسهم أمام إجراءات أمنية وقانونية مشددة، واكتظاظ في مراكز الإيواء، وصعوبة في التنقل.
وسرعان ما بدأت ملامح الخيبة تظهر لدى عدد من العابرين، فبحسب شهادات نقلتها وسائل إعلام دولية، قال بعضهم إنهم اكتشفوا أن المعلومات التي تلقوها قبل العبور لم تكن دقيقة، وإن الوصول إلى سبتة لا يفتح الطريق تلقائيا نحو أوروبا كما كانوا يعتقدون.
وخلال أقل من يومين، بدأ المشهد يتغير، فبعد أن كانت الشواطئ تشهد تدفقاً متواصلاً نحو المدينة، بدأت حركة معاكسة عبر المعبر الحدودي، مع عودة عشرات الآلاف إلى المغرب، بعضهم بصورة طوعية بعدما أدرك أن البقاء في سبتة لن يحقق الهدف الذي خاطر من أجله، فيما جرت عمليات عودة أخرى في إطار التنسيق بين السلطات المغربية والإسبانية.
وفي مقاطع فيديو جرى تداولها على نطاق واسع عبر منصات التواصل الافتراضي، ظهر عدد من العائدين وهم يدعون الشباب المغربي إلى عدم تكرار التجربة، مؤكدين أن الواقع الذي وجدوه داخل سبتة كان مختلفاً عن الصورة التي رسمتها الشائعات، وأن الرحلة التي بدت في البداية طريقاً إلى أوروبا انتهت بالنسبة إلى كثيرين بالعودة إلى نقطة الانطلاق. وبالنسبة إلى بعضهم، لم تقتصر التجربة على خيبة أمل، بل أعادت تشكيل نظرتهم إلى الهجرة، ودفعتهم إلى إعادة التفكير في معنى الاستقرار والانتماء إلى الوطن.
غير أن ما كشفته موجة العبور الأخيرة لم يقتصر على مصير من خاضوا التجربة، بل ألقى الضوء أيضاً على التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، فالمشاهد التي وثقتها تلك الأيام أظهرت أن الهجرة لم تعد قراراً فردياً يخص الشباب وحدهم، بل أصبحت، في حالات عديدة، خياراً تتقاسمه الأسرة بأكملها.
فحين تصبح المرأة، إلى جانب الرجل، مستعدة للمخاطرة بحياتها لعبور البحر، وحين يشارك الآباء والأمهات والأبناء في الرحلة نفسها، فإن الأمر يتجاوز الهجرة بوصفها قراراً فردياً، ليعكس تحولات اجتماعية واقتصادية أعمق، وشعوراً متزايدا لدى فئات من المجتمع بانسداد الأفق والبحث عن فرصة للعيش في مكان آخر.
هل كانت أزمة هجرة أم أزمة مجتمع؟
غير أن هذه المشاهد، بحسب بعض المتابعات، لا يمكن قراءته من زاوية اجتماعية واقتصادية فقط، بل يطرح أيضاً تساؤلات حول الأبعاد السياسية التي أحاطت بموجة العبور.
وترى الناشطة الحقوقية فاطمة أوطالب أن ما شهدته مدينة سبتة لا يمكن اختزاله في الأسباب الاقتصادية والاجتماعية وحدها، بل يستوجب قراءة متقاطعة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والحقوقية أيضاً.
وتؤكد أن أحدا لا يملك حتى الآن الصورة الكاملة لما جرى، غير أن ذلك لا ينفي واقع الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها كثير من المغاربة، وما تولده من شعور بانسداد الأفق، خاصة لدى الشباب.
وتضيف أن جزءاً من هذا الجيل بات عالقاً بين حلم الهجرة إلى أوروبا وفقدان الثقة في قدرة السياسات العمومية على توفير فرص حقيقية للعيش الكريم، داعية إلى مقاربة شاملة تفسر الحدث بعيداً عن أي قراءة أحادية.
لماذا أصبحت النساء جزءاً من موجة العبور؟
ومن جانبها تقول عضوة المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان نعيمة واهلي أن اتساع مشاركة النساء في موجة العبور يعكس تغيراً في البنية الاجتماعية والاقتصادية للأسرة المغربية، موضحة أن المرأة لم تعد تهاجر باعتبارها مرافقة للرجل فقط، بل أصبحت، في كثير من الحالات، مسؤولة عن إعالة الأسرة أو شريكاً أساسياً في تحمل أعبائها. ومع اتساع دائرة الهشاشة وارتفاع تكاليف المعيشة، أصبحت النساء بدورهن يبحثن عن فرصة لتحسين ظروف عيشهن ومستقبل أسرهن، حتى وإن كان ذلك عبر طرق تنطوي على مخاطر كبيرة.
وتضيف أن كثيراً من الذين خاطروا بحياتهم لم يكونوا يبحثون عن المغامرة بقدر ما كانوا يبحثون عن فرصة للعيش الكريم، معتبرة أن معالجة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تقتصر على تشديد الرقابة على الحدود، بل تستوجب سياسات عمومية توفر فرص العمل، وتحد من الفوارق الاجتماعية، وتعزز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. كما تربط الظاهرة بالشعور لدى جزء من الشباب بتراجع هامش الحريات، إلى جانب الضغوط الاقتصادية، وهو ما يعمق الإحساس بانسداد الأفق ويدفع بعضهم إلى اعتبار الهجرة مخرجاً من واقع يفتقدون فيه إلى الأمل.
لماذا يفقد الشباب الأمل؟
ومن زاوية أخرى، ترى الناشطة الحقوقية زهرة الوردي أن المشاهد التي رافقت موجة العبور لم تكن صادمة بسبب أعداد المشاركين فيها فقط، بل لأنها كشفت حجم الأزمة التي يعيشها جزء من المجتمع المغربي.
وتساءلت: كيف اجتمع هذا العدد الكبير من الأشخاص، وفي التوقيت نفسه، على اتخاذ القرار ذاته بالمخاطرة بحياتهم؟ معتبرة أن ذلك يعكس تراكمات امتدت لسنوات، مؤكدة أن المغرب يمتلك مؤهلات وثروات وطاقات بشرية كبيرة، غير أن جزءاً من المواطنين لا يشعر بانعكاسها على حياته اليومية.
وترى أن استمرار البطالة واتساع الفوارق الاجتماعية وصعوبة تحقيق الاستقرار تدفع كثيراً من الشباب إلى الاعتقاد بأن مستقبلهم يوجد خارج البلاد، مؤكدة أن مواجهة الظاهرة تقتضي إعادة بناء الثقة عبر سياسات تنموية تتيح للشباب والنساء فرصاً حقيقية داخل وطنهم، بدل الاكتفاء بالمقاربات الأمنية.
لماذا تختلف موجة 2026 عن 2021؟
من جهتها، تعتبر المحللة السياسية شريفة لموير أن ما شهده شمال المغرب خلال تلك الأيام كشف عن أزمة تتجاوز الهجرة في حد ذاتها، وتمس طريقة تدبير عدد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية.
وتعتبر أن ارتفاع الأسعار، واستمرار البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، وتزايد الشعور بضبابية المستقبل، كلها عوامل دفعت أعداداً كبيرة إلى اعتبار الهجرة غير النظامية مخرجاً من واقع يفتقدون فيه إلى الأفق.
وتضيف أن الشائعات التي رافقت تداول الحكم القضائي الإسباني ربما ساهمت في تسريع موجة العبور، لكنها لا تفسرها بمفردها، لأن السياق الحالي يختلف عن أحداث سبتة سنة 2021، التي ارتبطت بتوتر دبلوماسي بين المغرب وإسبانيا.
ولفتت إلى أن غياب تواصل رسمي سريع فتح المجال أمام الشائعات والتأويلات، مؤكدة أن منع تكرار مثل هذه الموجات يمر عبر معالجة الأسباب البنيوية للهجرة، وفي مقدمتها العمل، والعدالة الاجتماعية، وتحسين آفاق الشباب.
ومع انحسار موجة العبور، عاد الهدوء إلى سبتة، لكن الأسئلة التي أثارتها لم تنتهِ، ففي انتظار معطيات رسمية مغربية أكثر تفصيلاً، يبقى ما جرى واحداً من أكبر أحداث الهجرة التي شهدها شمال المغرب في السنوات الأخيرة، بما حمله من تداعيات إنسانية واجتماعية وسياسية.