صاحبة "المظلة" وفاء البلدي تحول حبها للبحر إلى رسالة تطوعية
قادت وفاء البلدي حملات تنظيف ساهمت في تحسين المشهد البيئي، وسعت من خلالها إلى استعادة علاقة الأهالي ببحرهم وشواطئهم. هذه الحملات تحولت إلى رسالة تنطلق من حب المكان والرغبة في خدمته، بعيداً عن أي غايات سياسية أو حسابات ضيقة.
إخلاص الحمروني
تونس ـ في زاوية هادئة من الضاحية الجنوبية، حيث يعانق البحر اليابسة، تبرز تجربة وفاء البلدي بوصفها نموذجاً للعمل التطوعي الذي يسعى إلى إحداث تغيير في الواقع البيئي والاجتماعي. فقد اختارت أن تحول حبها للمكان إلى مبادرات ميدانية متواصلة، جعلت من حماية الشريط الساحلي مسؤولية تتقاسمها مع أبناء منطقتها.
بدأت حكاية وفاء البلدي، خريجة المدرسة العليا للتجارة الإلكترونية، بفكرة بسيطة، لكنها حملت في طياتها رغبة في إحداث تغيير ملموس. وتقول "كانت الفكرة أن نختار مكاناً متروكاً ومليئاً بالأوساخ، وننظفه ليصبح مكاناً آمناً، ونستفيد منه لتنظيم تظاهرة فنية أو رياضية".
ومن هذه المبادرة الفردية، انطلقت حملات التنظيف في وسط مدينة حمام الأنف، التي لم تقتصر على إزالة النفايات، بل امتدت لتشمل أنشطة توعوية تهدف إلى ترسيخ ثقافة المحافظة على البيئة.
وعملت وفاء البلدي على استقطاب المتطوعين من خلال نشر دعوات للمشاركة عبر وسائل التواصل الافتراضي، ونجحت في جمع مجموعات ساهمت في تحويل المبادرة إلى عمل جماعي متواصل. ولم تعد الحملات نشاطاً موسمياً أو مناسبة عابرة، بل أصبحت سلسلة من المبادرات الميدانية التي يشارك فيها عدد من المتطوعين.
صاحبة المظلة
وتطرقت وفاء البلدي إلى تجربتها في "المنتزه الأزرق" بمدينة حمام الأنف، حيث عمل المتطوعون على صناعة حاويات صديقة للبيئة، واستخدام مواد معاد تدويرها، من بينها البلاستيك والأوراق والإطارات القديمة. وقد جرى تحويل عجلات السيارات المستعملة إلى حاويات للنفايات، بعد تنظيفها وطلائها وتزيينها.
وقالت "منذ ذلك الوقت ونحن نعمل ونتقدم أكثر، ولم نتوقف يوماً. وحتى عندما لا تكون لدينا حملات تنظيف، نعمل على صناعة أدوات تساعدنا في مهامنا التطوعية. فقد صنعنا غربالاً يدوياً بمساعدة حداد من المنطقة، كما صنعنا حاويات حديدية من خلال قص بعض البراميل إلى نصفين وإضافة مقابض إليها، ثم وضعناها على امتداد شاطئ حمام الأنف، وما زال لدينا عشرة أخرى سنضعها على الشريط الساحلي للضاحية الجنوبية".
وفي إطار الأنشطة الرياضية، نظمت المجموعة أول مباراة لكرة اليد أمام "كازينو حمام الأنف" وهو معلم أثري وتاريخي شهير في تونس، بعد تنظيف محيط المكان. وتوضح أن العمل كان يستغرق يوماً كاملاً، ويشمل التنظيف وإزالة الأعشاب وغربلة الرمال والتخلص من النفايات.
ومن رحم هذه التجربة الميدانية، اكتسبت وفاء البلدي لقب "صاحبة المظلة"، الذي لم يأتِ من فراغ، بل ارتبط بحضورها اليومي المتواصل في مواقع العمل. وتقول "كنت أعمل من الصباح إلى الليل، وعندما تشتد الحرارة أحمل مظلة حتى أستطيع التنقل والعمل، ومن هنا بدأت قصتي مع لقب صاحبة المظلة".
وتشير إلى أن إحدى النساء أهدتها مظلة مصنوعة من الفضة، تقديراً لمجهوداتها وتشجيعاً لها على مواصلة العمل التطوعي.
العمل التطوعي مسؤولية مستمرة
وفي رسالة وجهتها إلى نساء تونس، دعت وفاء البلدي إلى التحلي بالشجاعة والمثابرة والانخراط في حملات التنظيف والعمل البيئي، معتبرة أن المحافظة على نظافة المحيط لا تقل أهمية عن الاهتمام بنظافة المنزل، وأنها مسؤولية تجاه المجتمع والبيئة.
وشددت على ضرورة ألا تظل حملات التنظيف والتوعية البيئية مرتبطة بمواسم معينة، بل أن تتواصل على مدار العام "حملات التنظيف والحملات التحسيسية يجب ألا تكون موسمية، بل ينبغي أن تكون متواصلة طوال العام. نحن ركزنا على البحر والشواطئ لأنه موسم الصيف وموسم البحر، ولكن هذه الحملات يجب أن تتواصل على مدار السنة، لأن حماية البيئة لا ترتبط بفصل أو موسم معين".
واختتمت وفاء البلدي حديثها بالتأكيد على أن العمل التطوعي في المجال البيئي مسؤولية وطنية ومجتمعية، داعية النساء إلى المشاركة الفاعلة في خدمة البيئة والمجتمع، ومشددة على أهمية العمل الجماعي من أجل حماية المحيط وتحسين الواقع البيئي.