ورشة "PÎK" في قامشلو... صناعة محلية بهوية كردية
أكدت الإدارية في ورشة "PÎK" آية محمد، أن الورشة نجحت في التحول إلى أول وأكبر منشأة لتصنيع الملابس من القطن المحلي في روج آفا، بهدف تقديم مفهوم صناعي جديد وتحقيق الاكتفاء الذاتي بمنتجات تحمل الهوية الكردية.
سوركل شيخو
قامشلو ـ تبدأ الحكاية كل صباح مع خيوط الشمس الأولى، حيث تدب الحياة في أرجاء الورشة الكبيرة التي تتألف من ثلاثة أقسام رئيسية، ومنذ عام ونصف تفتح الورشة أبوابها يومياً على وقع نشاط العمال وأصوات آلات الخياطة، لتشكل معاً سيمفونية مستمرة من العمل والأمل.
لا يقتصر الإنتاج في ورشة "PÎK" على الملابس الرياضية وسراويل "الجينز" للرجال والنساء فحسب، بل يشمل أيضاً ملابس الأطفال الملونة، وفي ثنايا هذه القطع تُنسج قصص المقاومة والصمود فكل قطعة جديدة تُصنع تحمل في طياتها وعداً بمستقبل أفضل وتأتي بمثابة هدية من العمال تعكس الإنتاجية العالية للأيادي المحلية.
فتحت ورشة "PÎK" أبوابها لعشرات العمال والخياطين في منتصف عام 2024 ومنذ تأسيسها قبل عام ونصف، تطورت لتصبح مركزاً صناعياً هاماً، وتُعتبر اليوم أول وأكبر منشأة لتصنيع الملابس في روج آفا، ومما يميزها أيضاً أن جميع ملابسها تُصنع من القطن المنتج محلياً.
خلف كل آلة خياطة وبين أكوام الأقمشة الملونة التي قُصت بعناية تعمل أيادٍ محلية ماهرة، تؤمن بأن حرفتها لا تقل شأناً عن مثيلاتها لدى العلامات التجارية العالمية، هنا تتحول الأقمشة إلى ملابس جاهزة عبر عملية إبداعية لا تعرف الحدود، وتُوزع المنتجات التي تخرج من ورشة "PÎK" في أسواق مدن روج آفا.
كيف تتحول الأقمشة إلى ملابس؟
وأوضحت آية محمد، العضوة في الفريق الإداري لورشة "PÎK" أن الرحلة داخل الورشة تبدأ بتحويل الأقمشة الخام إلى قطع ملابس جاهزة، حيث يتم إنتاج الملابس الرياضية وسراويل "الجينز" وفق معايير جودة عالية.

وأضافت أن الملابس الرياضية تُصنع من القطن، بينما تُنتج الملابس المصنوعة من قماش "الدينيم" (الجينز) باستخدام أقمشة ذات ثلاثة أوزان مختلفة: خفيفة، متوسطة وثقيلة، لافتةً الانتباه إلى وجود ثلاثة أقسام تخصصية أخرى في الورشة وهي: قسم آلات القص، قسم الطباعة الرقمية واليدوية، بالإضافة إلى مرافق طباعة الأقمشة والتطريز، ليكون بذلك المصنع الأول والأكبر من نوعه في المنطقة.
وقالت "لقد نجحت روج آفا التي عانت من 14 عاماً من الحرب ومراحل بالغة الصعوبة في التحول إلى مركز لإنشاء وتطوير الصناعة، يُعد مصنعنا الأكبر والأول من نوعه في المنطقة في مجال تصنيع الملابس، ورغم وجود ورش خياطة أخرى، إلا أنها لا تضاهي مصنعنا من حيث الحجم أو تنوع الأقسام الداخلية".
مفهوم صناعي جديد
تحمل كل مؤسسة أو منظمة اسماً فريداً، مستوحى من الخصائص الجغرافية والحضارية والتاريخية، وكذلك من الطبيعة الجغرافية للأرض، وعن معنى اسم "PÎK" تقول آية محمد "هو اسم مشتق من اللغة الإنجليزية ويعني قمة الجبل (Peak) ويحمل شعارنا صورة حيوان جبلي بري، وهو كائن يعيش دائماً على قمم الجبال، ومن خلال هذا الاسم والشعار نطمح أن تصل علامتنا التجارية إلى القمة من حيث الجودة والإنتاج، كما نهدف إلى تقديم مفهوم صناعي جديد لمنطقتنا فتاريخياً كانت منطقتنا تُعرف بالزراعة فقط ولم يكن هناك أي وجود سابق لصناعة الملابس أو القطاع الصناعي، لقد وفرنا فرص عمل للسكان المحليين وساعدناهم على اكتساب مهارات قيّمة".
عقبات وتحديات أمام التطور الصناعي
إن تطبيق أي مفهوم جديد لا سيما في المناطق أو المدن التي لم تشهد مثل هذه الأنشطة من قبل يطرح حتماً تحديات عديدة، وعن الصعوبات التي تواجهها الورشة أوضحت "يعتمد تحقيق هذه الرؤية كلياً على إنتاج الملابس وتوفر قوة عاملة ماهرة، ونظراً لأن الثقافة الصناعية لم تترسخ بعد هنا فإننا نواجه تحديات في العثور على عمال في قطاع الملابس وكوادر ماهرة قادرة على تشغيل الآلات بالدقة المطلوبة، ورغم هذه التحديات، فإننا نسعى بجد لإيجاد حلول مناسبة تضمن اكتساب علامتنا التجارية شهرةً واعترافاً، ليُقال في سوريا إن هذه الملابس مصنوعة من قطن وخيوط وأقمشة قامشلو".
تتجاوز رؤية وأهداف "PÎK" حدود روج آفا إذ تطمح العلامة التجارية إلى تحقيق حضورٍ لها في مناطق أخرى أيضاً، وفي هذا الصدد تشير أية محمد إلى أن هدفهم في الورشة لا يقتصر على روج آفا فحسب "نريد لعلامة PÎK التجارية أن تصل إلى الأسواق في جميع أنحاء سوريا، نطمح إلى أن يأتي يوم لا يُقال فيه إن الملابس تأتي حصراً من حلب بل ليُعرف أن قامشلو أيضاً تنتج ملابس مصنوعة من القطن والخيوط والأقمشة وبأيد كردية".
تمكنت الورشة من تقديم أسعار أقل من تلك التي تفرضها العلامات التجارية القادمة من خارج المنطقة، مما أتاح للمجتمع الحصول على ملابس بأسعار معقول "تأتي العلامات التجارية الموجودة حالياً في أسواقنا بشكل شبه كامل من خارج المنطقة، مع ندرة شديدة في الخيارات المحلية. لذا، كان هدفنا من تأسيس هذه الورشة هو ضمان حصول مجتمعنا على ملابس جميلة وعالية الجودة بأسعار في متناول الجميع".
"الكرد يطورون الصناعة أيضاً على أرضهم"
وأكدت أن ورشة PÎK لا تقتصر على كونها منشأة تصنيع فحسب، بل تقدم أيضاً خدمات متنوعة لتجار التجزئة في السوق "إذا كان لدى تاجر تجزئة نموذج معين في ذهنه، يمكننا تصنيعه هنا وإضافة العلامة التجارية التي يرغب بها وتسليمه المنتج النهائي كما نقوم بطباعة الصور والكلمات والعبارات على القمصان (T-shirts) باستخدام تقنيات الطباعة اليدوية والرقمية، قمنا خلال مهرجان قامشلو بطباعة صور ونصوص كردية على القمصان، أردنا من خلال ذلك إبراز هوية ورشتنا؛ لنُظهر أن هذا المشروع أسسه الكرد، ويستمر بجهود كردية حتى يومنا هذا ويحمل اسماً كردياً وتُكتب علامته التجارية باللغة الكردية بالكامل".
وتأمل أية محمد في ختام حديثها أن يحظى الكرد بالاعتراف والشهرة في القطاع الصناعي "بعيداً عن الدفاع عن الوطن أو حمل السلاح، نريد أن يُعرف الكرد ويُشاد بهم في مجالات الصناعة والعلوم، فبهذه الطريقة فقط يمكننا النهوض ببلادنا حقاً".