سياسات تقييد الإنترنت في إيران تدفع بملايين النساء إلى الهامش

أدّى الانقطاع الواسع للإنترنت في إيران إلى إغلاق آخر أبواب الدخل والاستقلال المالي أمام ملايين العاملات في المهن المنزلية؛ نساء يعشن أصلاً تحت ضغط التضخم والبطالة والتمييز البنيوي.

سارة بورخزاري

كرماشان ـ يمكن اعتبار الاستقلال الاقتصادي الخطوة الأولى للمرأة في طريق التحرر من التبعية، فمنذ اللحظة التي تبتعد فيها المرأة عن الأطر التقليدية والمفروضة، وتتجه نحو تحقيق دخل مستقل، تبدأ بعض القيود التي فرضها النظام الأبوي بالتفكك، فالاستقلال المالي ليس مجرد رقم في حساب مصرفي، بل هو بداية القدرة على اتخاذ القرار بحرية، والشعور بالأمان النفسي، وإمكانية قول "لا" للظروف الجائرة المفروضة على النساء.

لكن طريق الاستقلال ليس متساوياً بين جميع النساء، فبينما تدخل بعضهن سوق العمل عبر التعليم العالي والفرص الوظيفية المناسبة، هناك نساء أخريات يشقن طريقهن من أحلك زوايا المنازل؛ نساء تُضئن شمعة صغيرة لمواجهة أعباء الحياة بأبسط الأدوات وأقل المهارات، وبالنسبة لكثير منهن، تشكل الحياكة والكروشيه والخياطة والصناعات المنزلية أو بيع المنتجات اليدوية عبر الإنترنت، الطريق الوحيد لتخفيف جزء من الضغط الاقتصادي عن كاهلهن.

غير أن الانقطاع الواسع والمطول للإنترنت في إيران خلال الشهرين الماضيين أطفأ هذه الشموع الصغيرة واحدة تلو الأخرى، فالنساء اللواتي كنّ تحققن دخلاً بسيطاً عبر بيع منتجاتهن على الإنترنت، وجدن أنفسهن فجأة معزولات عن السوق والزبائن وشبكات التواصل، لم يكن قطع الإنترنت مجرد خلل تقني؛ بل كان بالنسبة لكثير من النساء إلغاءً كاملاً لمصدر رزقهن الوحيد.

وإلى جانب هذه الأزمة، أدت الزيادة الحادة في أسعار المواد الأولية، من الخيوط والصوف إلى الأقمشة وأدوات العمل البسيطة، إلى جعل الاستمرار في العمل أمراً شبه مستحيل، فالنساء اللواتي كنّ بالكاد تستطعن تأمين تكاليف المواد الأولية، أصبحن اليوم تواجهن أسعاراً تجعل مواصلة العمل أقرب إلى المستحيل


عندما يُقطع الإنترنت يُقطع خبز النساء أيضاً

تقول نكين. هـ، وهي امرأة تعتمد منذ سنوات على حياكة الماسكات وأدوات التنظيف اليدوية لتأمين معيشتها، إنه "منذ عدة سنوات استطعت أن أبدأ العمل في الكروشيه. أنا أم لطفلين، وكان هذا أفضل عمل يمكنني القيام به؛ عمل لا يتطلب مني الخروج من المنزل ويمكنني إنجازه إلى جانب أطفالي".

وبينت أنها استفادت من الإنترنت لتسويق منتجاتها "كنت أبيع منتجاتي عبر مواقع التواصل، وكانت المبيعات جيدة، فحياكة القطعة الواحدة كانت تستغرق أقل من يوم، وغالباً ما كانت تُباع في اليوم نفسه أو الذي يليه، وأحياناً كان الزبائن يطلبون مسبقاً فأقوم بالحياكة والتسليم مباشرة".

لكن هذا المسار انهار تقريباً مع الانقطاع الواسع للإنترنت خلال الشهرين الأخيرين كما تقول "منذ قطع الإنترنت، انخفض دخلي بشكل كبير جداً، وربما أبيع قطعتين فقط طوال شهر كامل، ولم يعد أحد يرسل رسائل أو طلبات، وكأنني اختفيت فجأة من أمام الجميع، ومن جهة أخرى، ارتفعت أسعار المواد التي أحتاجها في عملي مثل الخيوط والصوف والإسفنج بشكل مرعب، ولا أعرف ماذا أفعل، فالضغط الاقتصادي يزداد كل يوم مع البطالة وغياب الزبائن".

قصة نكين. هـ ليست حالة فردية، بل هي حكاية آلاف النساء اللواتي كان اعتمادهن الأساسي على الإنترنت لتسويق أعمالهن، قبل أن يُسلب منهن هذا المنفذ الوحيد للحياة والعمل.
 


ثلث العاملات في إيران تعتمدن على الأعمال المنزلية

بحسب بيانات مركز الإحصاء الإيراني، جرى إصدار أكثر من مليوني ترخيص لهذه الأعمال خلال السنوات الأخيرة، وتشير الأرقام إلى أن أكثر من 80% من العاملين في هذا القطاع هنّ نساء، أي ما لا يقل عن مليون وستمئة ألف امرأة يعملن رسمياً في هذا المجال.

في المقابل، تُظهر الإحصاءات الحكومية أن النساء يشكّلن نحو 20% فقط من إجمالي القوى العاملة، أي ما يزيد قليلاً على أربعة ملايين امرأة. وعند مقارنة المجموعتين، يتضح أن ما يقارب ثلث العاملات في البلاد يعتمدن على العمل المنزلي وحده لتأمين المعيشة. وبالنسبة لكثير من هؤلاء النساء، لا يُعدّ هذا العمل خياراً بل مصدر الدخل الوحيد، والفضاء الرقمي هو وسيلتهن الأساسية للتسويق والتواصل. لذلك فإن قطع الإنترنت يعني عملياً حرمانهن من رزقهن.

كما أن الأرقام الرسمية لا تشمل ملايين النساء اللواتي يعملن من دون تراخيص، معتمدات على الإنتاج المنزلي والخدمات الإلكترونية والبيع عبر الإنترنت، ما يجعل العدد الحقيقي للنساء المتضررات أكبر بكثير.
 

الفضاء الرقمي الملاذ الأخير للنساء

تقول فرنكيس. ب، وهي ناشطة في مجال حقوق المرأة بكرماشان شرق كردستان، إنه في مجتمع تسيطر فيه البُنى الذكورية على معظم مجالات العمل، استطاعت كثير من النساء، بجهد وإصرار كبيرين، أن تجدن لأنفسهن نافذة صغيرة للعمل وسط هذا الاحتكار الذكوري الكامل؛ نافذة تمثلت غالباً في الأعمال المنزلية.

وترى أنه من "المثير للدهشة أن هؤلاء النساء، رغم قلة الإمكانات وغياب الدعم الرسمي، تمكنّ من بناء مكان لهن في سوق العمل، والعثور على زبائن عبر الإنترنت، وتأمين جزء من مصاريف حياتهن".

لكنها تؤكد أن هذه الفرصة الضئيلة انتُزعت منهن أيضاً، فمع انقطاع الإنترنت، وفرض القيود الواسعة على الفضاء الرقمي، إلى جانب الضغوط الاقتصادية، أُغلق هذا الطريق الهش بالكامل، فالنساء اللواتي لم يكنّ تمتلكن فرصة الحضور الحر والمتساوي في سوق العمل خارج المنزل، ولم تحظين بحماية قانونية، فقدن اليوم حتى ملاذهن الأخير: الفضاء الافتراضي.

وأضافت "المجتمع حرم النساء منذ البداية من المشاركة في المجال العام والعمل الرسمي، لذلك اضطررن للجوء إلى العالم الافتراضي كي يتمكنّ من العمل وتحقيق دخل ولو بسيط من دون الاصطدام بجدران التمييز، أما اليوم، فقد أُغلق هذا الفضاء أيضاً في وجوههن".

وتوضح "كثيرات أصبحن عاطلات تماماً عن العمل، أو اضطررن إلى بيع ما تبقى من منتجاتهن عبر البسطات والبيع المتجول، والنتيجة أن النساء اللواتي نجحن بعد معاناة طويلة في تحقيق حد أدنى من الاستقلال المالي، تمت إعادتهن مجدداً إلى نقطة الصفر، أو أُجبرن على العمل كبائعات متجولات في مجتمع لا يتقبل المرأة التي تبيع في الشارع".
 


من خلال حديث فرنكيس. ب يمكن ملاحظة أن كثيراً من النساء، خصوصاً اللواتي كانت أعمالهن تعتمد على الإنترنت، أصبحن يعشن أوضاعاً اقتصادية شديدة القسوة، فقطع الإنترنت لم يوقف فقط تدفق دخلهن، بل دمّر أيضاً آخر وسيلة كانت تتيح لهن الحفاظ على استقلالهن المالي.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن نساء كرماشان يعشن وضعاً أكثر تعقيداً وسوءاً من غيرهن، وتكشف هذه الإحصاءات أن عدداً أكبر من نساء كرماشان اتجهن نحو تأسيس مشاريع منزلية مقارنةً بمناطق أخرى، وهي مشاريع كانت تعتمد بشكل أساسي على الإنترنت في التسويق والتواصل مع الزبائن وبيع المنتجات، وبمعنى آخر، كلما ازدادت نسبة اعتماد نساء كرماشان على الأعمال المنزلية، كانت الصدمة الناتجة عن قطع الإنترنت أشد قسوة عليهن.