سوق "النسوان" في كسلا... قرار الإزالة يهدد أرزاق النساء وذاكرة المدينة
يواجه سوق "النسوان" في كسلا مصيراً مجهولاً بعد قرار إزالته، مهدداً مصدر رزق عشرات النساء وذاكرة سوق ارتبط لعقود بكفاح الأمهات وإرثهن الشعبي، وسط مطالب ببديل يحفظ لهن لقمة العيش وكرامتهن.
ميرفت عبد القادر
السودان ـ في قلب مدينة كسلا، حاضرة ولاية كسلا شرقي السودان لا يزال صوت النساء يرتفع من بين الرواكيب المتهالكة، ليس للبيع والشراء هذه المرة، بل صرخة للبقاء.
هناك، في سوق "النسوان" أحد أقدم أسواق السودان وأكثرها دفئاً، تعيش المدينة هذه الأيام على وقع قرار قاسٍ أصدرته محلية كسلا بإزالة السوق، قرار لم يهدم خشباً وقماشاً فقط، بل هدم عمراً كاملاً من الكفاح.
هذا السوق ليس مجرد مكان، هو شريان حياة حقيقي لمئات الأسر، هو حضن دافئ لنساء عرفن معنى الفقد مبكراً، أرامل وأمهات يحملن على ظهورهن أطفالاً أيتاماً، لم يجدن سوى هذه الرقعة الصغيرة ليكتبن فيها قصة صمودهن.
"سوق السكسك" ذاكرة من سعف وطين
يعرفه أهل كسلا باسم "سوق السكسك"، يقع في قلب المدينة النابض، على مقربة من السوق الكبير والموقف العام، فكان على الدوام مقصداً للعابرين والزوار، ليس للتسوق فحسب، بل لاستنشاق رائحة التراث.
في كل ركن منه حكاية، مشغولات من السعف نسجتها أنامل متعبة، حقائب ومفروشات يدوية تحمل ألوان الريف، إكسسوار تقليدية، وفخار يحمل دفء الطين، وعطور بلدية وبخور يعبق في المكان، وتوابل وأعشاب وأطعمة شعبية ومستلزمات للنساء.
هذا السوق يحمل ذاكرة المدينة كلها، فقد احترق مطلع الألفية والتهم الحريق أحلام البائعات، لكنهن بيديهن أعدن بناءه من الرماد، وظللن لسنوات طويلة يحلمن فقط بأن تمنحهن المحلية ورقة رسمية تثبت أن هذا المكان لهن، أن هذا التعب له عنوان.
قالت المحلية إن قرار الإزالة يأتي ضمن خطة لتنظيم الأسواق وتجميل وسط المدينة وتسهيل حركة المرور، كلمات تبدو منطقية على الورق، لكنها على الأرض تعني التشريد.
ففي كانون الثاني/يناير الماضي، جاءت الجرافات وأزالت الجانب الشرقي من السوق، وسط أنباء موجعة تتحدث عن بيع الأرض لجهات غير معلنة، فزاد ذلك من جرح النساء وشعورهن بالظلم.
ولم يكن أمامهن سوى الشارع، ففي 13 أيلول/سبتمبر الجاري، خرجت عشرات البائعات، مسنات ومريضات ومقعدات، وأغلقن طريقاً رئيسياً في كسلا، لم يكن احتجاجاً سياسياً، بل كان نداء استغاثة، يطالبن بوقف الإزالة أو على الأقل توفير بديل بأسعار تراعي أوضاعهن المادية.
وبحسب المصادر فإن المحلية عرضت عليهن الانتقال إلى سوق "العامرية"، لكن من ذهبت منهن عادت خائبة، فلا زبائن هناك ولا حركة، والمكان الجديد يخلو من الحياة التي صنعوها هنا على مدى عقود، كما تحيط بالأرض البديلة نزاعات قديمة حول ملكيتها.
وكان المجلس التشريعي لولاية كسلا قد شعر بهذا الخطر مبكراً، فأوقف في عام 2019 إجراءات تخصيص قطع تجارية داخل السوق عبر البيع المباشر، وأوقف أيضاً تخصيص الموقع لمنظمة "صانعات الغد" إلى حين إشعار آخر، لكن القرار عاد اليوم من جديد.
أصوات من بين الركام... قصص كفاح مهددة بالضياع
التقت وكالتنا بعدد من النساء اللواتي يعملن في السوق، ولكل واحدة منهن قصة تدمي القلب، وتحدثت إليهن عن عملهن وكيف استقبلن قرار الإزالة الذي نزل عليهن كـ "الصاعقة".
تجلس آمنة قريش، 80 عاماً، بعينين أرهقهما الزمن، تحكي وهي ترتجف "أنا في هذا السوق منذ عام 1971، هذا السوق معلم تاريخي، انتزعوه منا دون أن يسألونا".
آمنة قريش التي تبيع البروش (المفارش السعفية) والطلح والعطور والمواد الغذائية، تقول بفخر ممزوج بالحزن "ربيت أبنائي من هذا السوق وحتى الآن ما زلت أعيش منه".
فالطلح هو خشب عطري يُستخرج من أشجار السنط (الأكاسيا) المنتشرة في السودان. يتميز برائحته النفاذة والذكية عند حرقه، وهو المكون الأساسي في "حمام الدخان السوداني" (طقس تجميلي تقليدي للمرأة).
تبقى هذه المسنة جالسة لساعات طويلة تحت الشمس الحارقة، جائعة وعطشى حتى المساء، من أجل تأمين قوت أسرتها، ثم تصف لحظة الإزالة "فجأة جاءتنا السلطة وكسرت محلاتنا وأهدرت بضائعنا دون إنذار".
آمنة ليست وحدها، فالسوق يضم نحو 160 امرأة، وتتساءل بدموع "لا أعلم كيف سأعيش دون عمل؟".
إرث الجدات يحترق مرتين
أما كلتوم محمد النور، التي قضت 45 عاماً في السوق، فتتحدث عن إرث أكبر من مجرد تجارة "نحن في هذا السوق منذ 45 عاماً، دخلناه لنربي الأيتام، نحن نساء أرامل نريد أن نعيش بكرامة".
وتؤكد أن السوق هو إرث الجدات ويعرفن محلياً بـ "الحبوبات" تأتي بضاعتهن من ريف كسلا ويبعنها بعرق جبينهن، مضيفة "كل قبيلة في كسلا موجودة في هذا السوق، نحن من حفر الآبار وشربنا الماء مع أهل هذه المدينة".
لم تكن الإزالة أول وجع لكلتوم محمد النور، فقد احترقت رواكيبها الثلاث من قبل وخسرت الكثير من المال، لكنها أعادت البناء واستمرت، واليوم جاءت الإزالة لتكمل الوجع "كسروا الرواكيب فوق رؤوسنا وهربنا ببضاعتنا، ومنذ عام ونحن نسمع كل يوم أن الموقع سيباع، الإزالة تعني أنهم رفضونا من الحياة كلها".
كلتوم هي العائل الوحيد لست بنات، وتعاني من السكري والضغط وضعف النظر، وتتهم المحلية بتعويض نساء معينات وترك الأخريات يواجهن مصيرهن وحيدات.
من جانبها تروي هدى محمد، التي تعمل في السوق منذ خمس سنوات، قصتها بصوت خافت، فهي المعيل الوحيد لأسرتها الكبيرة. عندما سمعت بقرار الإزالة، حملت جسدها المتعب وذهبت إلى المحكمة تدافع عن راكوبتها الصغيرة، لكنها عادت خائبة.
وتضيف "لم يكن لدينا مكان نذهب إليه، لم نعد نستطيع أن نعمل أو نأكل، بكينا لأننا فقدنا مصدر رزقنا الوحيد".
اليوم، يضع ملف سوق "النسوان" السلطات المحلية أمام اختبار إنساني حقيقي، فالقضية ليست مجرد تنظيم أسواق ومظهر عام، بل هي موازنة دقيقة بين القانون وبين حق آلاف النساء المكافحات في الحياة الكريمة، نساء لا يطلبن سوى مكان صغير يطعم صغارهن في ظل أوضاع اقتصادية قاسية تشهدها البلاد.