شابة من الصعيد تتحدى التقاليد وتثبت ذاتها في عالم صيانة المعدات الكهربائية

وسط ورشة صغيرة في صعيد مصر، تشق نانسي إسحق طريقها بثبات في مجال صيانة المعدات، متحدية نظرة المجتمع ومتمسكة بحلمها في تطوير مهنتها التي ورثتها عن والدها.

إيمان سمير علي

مصر ـ في قرية "إدمو" التابعة لمركز المنيا بمصر حيث تمتد الحقول ويعلو صوت الماكينات في ورش الصنايعية، تقف نانسي إسحق وسط رائحة الزيوت المعدنية وأصوات العدد الكهربائية، ممسكة بمفكها الصغير بثقة لا تشبه سنها، فتاة لم تتجاوز سنوات الدراسة الثانوية، لكنها استطاعت أن تحجز لنفسها مكاناً داخل مهنة طالما اعتبرها المجتمع حكراً على الرجال.

داخل الورشة الصغيرة، تتحرك نانسي إسحق بين أجهزة الهيلتي والصاروخ والشنيور، تفكّ الأعطال وتعيد تركيب القطع كأنها تحفظ تفاصيلها عن ظهر قلب. 

وتقول نانسي إسحق إنها أكبر أشقائها، وكانت تشعر منذ صغرها بأنها مسؤولة عن مساعدة والدها والوقوف إلى جانبه في العمل، مضيفة أن هذا الشعور بالمسؤولية دفعها للنزول إلى الورشة منذ سنواتها الأولى، لتكون "ذراع والدها اليمين" كما تصف نفسها.

بدأت رحلتها مع المهنة منذ طفولتها، حين كانت ترافق والدها إلى الورشة وهي في الصف الثالث الابتدائي، موضحة أنها بدأت بمساعدته في الأعمال البسيطة، قبل أن تتعلم تدريجياً كيفية فك المعدات وإعادة تركيبها وصيانتها تحت إشرافه.


         


        

ومع مرور السنوات، اكتسبت خبرة واسعة جعلت الزبائن يطلقون عليها لقب "البشمهندسة نانسي"، خاصة بعد نجاحها في إصلاح أعطال معقدة لم يكن البعض يتوقع أن تتمكن فتاة صغيرة من التعامل معها.

ورغم النجاح الذي حققته، واجهت نانسي إسحق انتقادات عديدة بسبب طبيعة عملها، خصوصاً في مجتمع ريفي محافظ بصعيد مصر، إلا أنها تؤكد أن تلك الانتقادات كانت دافعاً للاستمرار وإثبات الذات، إلى جانب الدعم الكبير الذي تلقته من والدها، الذي شجعها على مواصلة العمل وتحمل مسؤولية الورشة.


         


        

جمعت بين العمل والدراسة

في المقابل، كانت والدتها تخشى أن يؤثر العمل على مستواها الدراسي، خاصة مع اقترابها من مرحلة الثانوية العامة، وهو ما دفع نانسي إسحق إلى تحويل دراستها إلى نظام "المنازل"، مع الاعتماد على الدروس الإلكترونية لتتمكن من التوفيق بين العمل والدراسة.

وتوضح أنها تعمل لساعات طويلة تمتد أحياناً حتى منتصف الليل، حيث تتولى صيانة معدات صناعية وأجهزة منزلية مختلفة، كما توفر قطع الغيار اللازمة للزبائن وتحدد تكلفة الإصلاح وفقاً لطبيعة العطل وسعر القطع المستخدمة.

ولم تخلِ رحلة نانسي من المخاطر، إذ تعرضت قبل نحو عامين لإصابة أثناء استخدام "الصاروخ" لقطع ماسورة داخل الورشة، ما أدى إلى جرح عميق في قدمها، لكنها أكملت يوم العمل رغم الإصابة قبل أن تتلقى العلاج.


         


        

وترى نانسي إسحق أن طموحها لا يتوقف عند حدود الورشة الصغيرة التي تعمل بها حالياً، إذ تحلم بإنشاء أكبر مركز صيانة للمعدات الكهربائية في مصر، يوفر جميع قطع الغيار للمعدات المستوردة والمحلية، ويسهل على العملاء إصلاح أجهزتهم دون معاناة البحث عن المكونات غير المتوفرة.

وباتت نانسي إسحق اليوم نموذجاً مختلفاً لفتاة صعيدية استطاعت الجمع بين الدراسة والعمل، ونجحت في اقتحام مجال مهني شاق، لتتحول من طفلة تساعد والدها في الورشة إلى واحدة من أشهر العاملات في مجال صيانة المعدات الكهربائية في المنيا.