شابة فلسطينية تعيد تدوير المخلفات مدخلة التطريز الفلسطيني

تجسد المرأة الفلسطينية رمز القوة والصمود، وتسعى لإعادة حقها الثابت الذي لا جدال فيه بالعيش على أرضها وتصنع من العدم الجمال.

رفيف اسليم

غزة ـ كانت مجرد صناديق مساعدات ورقية، وعلب بلاستيكية أو زجاجية، أو معدنية، أو أقمشة ملقاة على الأرض لا قيمة لها عندما فكرت تغريد عبد الله، بتحويلها إلى مشغولات إبداعية قيمة تحمل طابع تراثي ورفيقة للبيئة في ذات الوقت، بغرض دمجها في عدة استخدامات كالعرس الفلسطيني، وأثاث المنزل، وغيرها.

تقول تغريد عبد الله وهي من قطاع غزة أن فكرة التدوير بدأت مع الحصار الخانق للمدينة وحاجتها كامرأة إلى تلك المستلزمات، فبدلاً من رمي الصناديق الورقية يمكن صنع حافظة للملابس أو الأحذية، وتلك العلب الزجاجية أو المعدنية يمكن الزراعة داخلها، وحتى الصندوق البلاستيكي يمكن تحويله لسلة مهملات.

الفكرة ليست في إعادة التدوير فحسب وفقاً لما تشير، فهي أدخلت لمسات التراث الفلسطيني الأصيل لتأخذ كل قطعة روح وطابع وطني، كما أن الألوان المستخدمة كان لها دلالات معينة أيضاً، لافتةً أنها لم ترغب أبداً بشراء المواد الخام من السوق على الرغم من أنها قد تكون أسهل وتعطي نتائج أفضل، كونها فضلت البحث عن بديل لديها في المنزل أو في بيوت الأصدقاء أو الأقارب.

 

مشروع مهم لبيئة صحية

وتبين أن مشروعها مهم لبيئة صحية "نحن لا نساعد البيئة فقط، بل نساعد أنفسنا بالدرجة الأولى، كون القطاع يعيش في بؤرة تلوث واسعة لا مفر منها"، فبدلاً من تراكم تلك المواد على مكبات النفايات واختلاطها مع المياه العادمة، تأتي بها وتحاول تخمين ما تحتاجه من أثاث منزلي مع وضع رؤية خاصة بها لكيفية تحويلها من البداية وحتى المخرج النهائي، ثم تأتي دور اللمسات الأخيرة في التزين لتصبح بنكهة فلسطينية.

تقول "أصبحت العائلة عندما ترى صناديق ورقية بجودة عالية تتصل بها وتسألها عن أفكار يمكن تدويرها بها فتذكر في ذات مرة اتصلت بها صديقتها لتجيبها أنها استلمت طرد ورقه يشبه ورق خشب البسكويت لتخبرها بأن تحتفظ به، وحين لمست صندوق المحتويات وجدته بالفعل ذا جودة جيدة، وصنعت منها خزانة صغيرة لحفظ الملابس مزينة إياها بالألوان الفلسطينية وأشرطة التطريز التي جعلت منها قطعة أثاث مميزة في المنزل ذات تكلفة محدودة.

رغبت تغريد عبد الله، من خلال تلك المشغولات أن تخاطب العالم أجمع "كفلسطينيات ها هنا موجودات من خلال الفن، والثقافة، والوعي، وتمسكت بفكرتي لإعادة التدوير والتراث، منشئة صفحة لها عبر موقع التواصل الافتراضي "انستغرام" التي كان يزداد عدد متابعيها في كل يوم كون الفن لغة سهلة يستطيع الجميع فهمها دون لغات أو عوائق".

ركام البيوت المقصوفة، والمنازل، والمخيمات، ومراكز توزيع المساعدات، والمتابعين، جميعها مصادر يمكن لها الحصول على المواد الخام منها، وتحويل النفايات إلى تحف فنية ذات طابع تراثي، لتوصل رسالة مهما مفادها "قصفت مدينة غزة ودمرت وتحولت لأكوام من الرماد ستعود وتتشكل أجمل من السابق بأفكار النساء وجهودهن".

لا يخفى عليها أن كل بيت فلسطيني ما قبل الهجوم كان لديه مقتنيات تراثية، لكنه ربما قصف أو نسف أو تعرض للسرقة، لذلك عندما عادت لتنشر الصور عبر صفحتها وجدت تفاعل واسع وطلبات مراسلة للكثير من النساء والفتيات بكيفية تدوير ما لديهن، مشيرةً أنها كانت في غاية السعادة وهي ترد عليهن ليحولن الألوان الرمادية لألوان جديدة مفعمة بالحياة.

 

العودة للتراث الفلسطيني

وتذكر، أنها في رسالة من تلك الرسائل أخبرتها فتاة أنها عروس في خيمة النزوح ولا تمتلك ما تضع به مقتنياتها الشخصية، ففكرت "لماذا لا نعود للتراث الفلسطيني ونستخدم صندوق العروس مرة أخرى لتضع ملابسها، وأدوات التجميل الخاصة بها وحاجيات أخرى"، مبينةً أن صندوق العروس فكرته قديماً تقوم على انتقاء أهل العريس ليلة حنة العروس المكسرات، والحنة، وأدوات الزينة، ليقدم كهدية للعروس لتستحدث الفكرة الآن من جديد.

ولفتت إلى أنها لو رغبت بصنع منتج ما وتشتري المواد الخام بالكامل سيكون سعرها أضعاف مضاعفة وقد لا تستطيع صنع العديد منها، مبينةً أنها ما زالت تحتفظ بتلك المنتجات لنفسها فلم تعرض أي منها للبيع، بل تعمل للمساعدة على نشر الفكرة والترويج لها لتصبح أسلوب حياة لدى النساء والفتيات وليست مجرد هواية وتلك أول خطوات التعافي البيئي في قطاع غزة.

وأكدت أن أي شيء لم يعد يصلح لاستخدامه الأساسي يمكن إعادة تدويره، فبطانية حرقت خلال القصف يمكن ترميمها، قطعة قماش، وجوارب بالية، وأزار ملابس يمكن صنع عروس منها، صناديق حديدة، خشبية، بلاستيكية، زجاجية، "جميعها يمكن صنع الجمال منها عبر وضع بصمتك الخاصة التي تضفي الجمال والرقي على كل ما يحيط بها".

والمرأة في قطاع غزة كما تقول تغريد عبد الله "مهما أنهكتها الحروب ومهما خذلها المجتمع الدولي والعربي، ستبقى كالعنقاء تخلق من الرماد من جديد، كرمز للقوة والصمود إلى أن يعود حق الفلسطينية الثابت الذي لا جدال فيه بالعيش على أرضها وانتزاع كافة حقوقها التي لن يحرمها الاحتلال منه".