نساء من ريف تونس يحولن الأعشاب والنباتات إلى مشروع اقتصادي
نساء ريفيات حولن المعرفة التقليدية بالنباتات الطبية إلى مشاريع اقتصادية متنامية، مستندات إلى الشغف والتدريب والإصرار، في مسار يكشف أهمية دعم المبادرات النسائية المحلية وتعزيز قيمة المنتجات الطبيعية.
إخلاص الحمروني
تونس ـ في ريف معتمدية الرقاب من ولاية سيدي بوزيد في تونس، لم تعد الأعشاب الطبية والنباتات العطرية مجرد مكونات من البيئة المحلية، بل أصبحت أساس مشاريع واعدة، تقودها نساء حولن شغفهن بالطبيعة إلى أنشطة اقتصادية تقوم على تقطير الأعشاب، وصناعة مستحضرات التجميل الطبيعية، والتعليب والتثمين، في تجربة تؤكد أن الطموح قادر على تجاوز محدودية الإمكانات.
من بين هؤلاء النساء، توجد مفيدة الجلالي، وهي حرفية من منطقة الرقاب، حيث اختارت أن تجعل من تقطير النباتات الطبية والعطرية مشروع حياتها. وتقول إن بدايتها كانت بسيطة، إذ كانت تقطر الأعشاب والأشجار الطبية وتهدي منتجاتها للمحيطين بها لتذوقها وتجربتها. ومع تزايد الإقبال عليها وإعجاب الحرفاء بجودة منتجاتها، تحوّل الأمر تدريجياً إلى نشاط تجاري.
وتضيف "شجعني هذا النجاح على تحويل الهواية إلى مشروع قائم بذاته، وأنا أواصل العمل فيه منذ ثلاث سنوات، ومنتجاتي باتت تحظى بسمعة تتوسع يوماً بعد يوم". غير أن مفيدة الجلالي تؤكد أن طريق النجاح لم يكن مفروشاً بالورود، إذ تواجه صعوبات عديدة، أبرزها صعوبة الحصول على المواد الأولية بسبب ندرتها في المنطقة.
وتوضح "هذا الأمر يجبرني في كثير من الأحيان على استئجار سيارة والتنقل إلى ولايات أخرى لاقتنائها. كما أعاني من محدودية رأس المال، الأمر الذي يحول دون اقتناء معدات حديثة من الفولاذ المقاوم للصدأ، فأكتفي بشراء جهاز تقطير جديد كل عام بحسب إمكاناتي".
وتشير إلى أن ارتفاع أسعار المواد الأولية وعلى رأسها الورد، إضافة إلى ارتفاع كلفة النقل، يمثلان أبرز التحديات التي تواجهها. ورغم ذلك، تؤكد تمسكها بحلمها في تأسيس علامة تجارية معروفة، معتبرة أن نساء الرقاب "يتميزن بالطموح والإصرار القادرين على تحقيق النجاح".
ولا تتوقف طموحات مفيدة الجلالي عند الإنتاج فقط، بل تسعى أيضاً إلى تثمين منتجاتها عبر تعليبها في قوارير زجاجية أنيقة بدلاً من العبوات البلاستيكية، مع إطلاق علامة تجارية خاصة بها تمنح منتجاتها قيمة مضافة. وتقول "أطمح إلى تسويق منتجاتي خارج تونس، خاصة وأن لدي حرفاء يقيمون في الخارج، لذلك من الضروري العمل على جودة التغليف عنصر أساسي لتعزيز حضور المنتج في الأسواق الدولية".
من الإنتاج المنزلي إلى مشروع أكثر تنظيم
تتقاطع قصة مفيدة مع تجربة عائشة العكروتي، وهي أم لثلاثة أطفال، تطمح أن يكون لديها يوماً ما مشروعاً كبيراً. فقد ورثت شغفها بالأعشاب الطبية عن والدتها، التي كانت تعتمد طرق التقطير التقليدية باستعمال قدر الضغط، وهو ما زرع فيها حب هذا المجال منذ الصغر.
وتقول "بعد إنهاء دراستي، قررت تطوير هذا الموروث، فبدأت بالتقطير بوسائل بسيطة، ثم انتقلت إلى استعمال جهاز التقطير التقليدي، قبل أن أنخرط في العمل الجمعياتي، حيث استفدت من برامج داعمة للنساء الريفيات مشجعة للمشاريع الصغرى، كما حصلت على تجهيزات عصرية ومحلات لعرض منتجاتي، وهو ما مكنني من الانتقال من الإنتاج المنزلي إلى مشروع أكثر تنظيماً".
ولم تكتف عائشة العكروتي بالممارسة، بل حرصت على تطوير معارفها من خلال البحث والدراسة والتدريب المستمر. فقد تابعت دورات تدريبية حضورية وعن بُعد حول النباتات الطبية، تعرفت خلالها إلى خصائص كل نبتة وفوائدها وطرق تقطيرها، ثم واصلت التدريب في مجال صناعة مستحضرات التجميل الطبيعية، قبل أن توسع نشاطها ليشمل صناعة الصابون، والشموع المعطرة، والعطور الطبيعية.
وتقول "كل دورة تدريبية كانت تضيفني معرفة جديدة وتعزز جودة منتجاتي، لذلك حرصت على الحصول على شهادات تدريب وإثبات كفاءة مهنية حتى تكون منتجاتي أكثر مصداقية وقابلة للتسويق".
ولضمان الحصول على زبائن أكثر، تسوق عائشة العكروتي منتجاتها عبر صفحتها على موقع التواصل الافتراضي "فيسبوك"، إضافة إلى نقطة بيع خاصة بها، كما تشارك في عدد من المعارض الوطنية، من بينها المعرض الدولي بنابل ومعرض الفلاحة بسيدي بوزيد، فضلاً عن معارض أخرى ساهمت في التعريف بمنتجاتها وتوسيع دائرة حرفائها.
وترى أن الحياة في الريف، رغم ما تفرضه من تحديات، توفر في المقابل فرصاً مهمة، أهمها إمكانية زراعة النباتات الطبية والعطرية محلياً، مستفيدة من توفر الأرض والدعم الذي تتلقاه من أسرتها، مشيرةً إلى أن زوجها الفلاح يساعدها في إنتاج مختلف النباتات التي تعتمد عليها في مشروعها.
وتختتم عائشة العكروتي حديثها قائلة "لم يكن مشروعي مجرد وسيلة لتحسين الدخل، بل هو ثمرة عشق للطبيعة ورغبة في تحقيق الاستقلالية الاقتصادية وتأمين مستقبل أفضل أبنائي"، فضلاً عن حلمها بإطلاق علامة تجارية تحمل اسمها.
عموماً تجسد قصتا مفيدة الجلالي وعائشة العكروتي نموذجاً لنساء ريفيات استطعن تحويل المعرفة التقليدية إلى مشاريع اقتصادية واعدة، معتمدات على الشغف والتدريب والإصرار، في مسار يبرز أهمية دعم المبادرات النسائية المحلية وتثمين المنتجات الطبيعية باعتبارها رافداً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في المناطق الريفية.