موائد الأطفال خاوية... أزمة التغذية في كرماشان تحت ظلّ الحرب والتضخم
أدّى الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية والانهيار الكبير في القدرة الشرائية إلى تقلّص موائد كثير من العائلات في كرماشان شرق كردستان وهي أزمة طالت الأطفال أكثر من غيرهم، ودفعتهم إلى مواجهة الجوع وسوء التغذية.
ساره بورخزري
كرماشان ـ في العالم الصغير والمليء بالخيال لدى الأطفال، تحتلّ الألوان دائماً المكانة الأولى؛ ألوان تتلألأ في رسوماتهم وتعيش في أحلامهم، لكن أكثر ما يملأ عالمهم هو عالم الأطعمة والحلويات الملونة؛ عالم غنيّ بالنكهات والروائح وأفراح الحياة البسيطة التي تمنح الطفولة معناها الحقيقي إلا أن هذا العالم الملوّن انطفأ منذ زمن بالنسبة لكثير من الأطفال، فموائدهم لم تعد تحمل لوناً ولا تنوّعاً، بل باتت مغطّاة بظلال الرماد والسواد.
هذه حكاية أطفال يعيشون على هامش مدينة كرماشان شرق كردستان وسط الفقر ونقص الغذاء والإهمال، ويكافحون كل يوم من أجل البقاء. أطفال لم يعد لديهم خيار بين الألوان المختلفة، بل أصبحوا مجبرين على الاختيار بين الجوع والجوع؛ وهو أقسى خيار يمكن أن يُفرض على طفل.
ومنذ بداية الحرب في إيران، وبالتزامن مع تصاعد الاضطرابات الاقتصادية المفروضة، شهدت أسعار المواد الغذائية ارتفاعاً حاداً وغير مسبوق، كما أدّى انهيار قيمة العملة الوطنية في ظلّ حكم الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى تراجع القدرة الشرائية للسكان إلى أدنى مستوياتها، حتى باتت كثير من العائلات عاجزة عن تأمين أبسط احتياجات الحياة.
وفي ظل هذه الظروف، لم يعد التحدّي اليومي للناس يتمثّل في اختيار نوعية الطعام، بل في القدرة على سدّ الجوع نفسه؛ وهي مأساة تُعدّ بحدّ ذاتها كارثة في القرن الحادي والعشرين، وفي بلد يمتلك هذا القدر من الموارد الطبيعية.
موائد تتقلّص يوماً بعد يوم
تتحدث بدرية. ل، وهي امرأة تقطن في حيّ شهیاد بمدينة كرماشان، بقلق عن الأوضاع الاقتصادية الراهنة وتأثيرها على تغذية أطفالها، فتقول "وصل سعر كيلو الدجاج إلى 400 ألف تومان. كيف يمكنني تحمّل شراءه وسط هذا الغلاء الجنوني؟ كل شيء تضاعف ثمنه مرات عديدة، ولم تعد لدينا أي قدرة على الشراء. يمكنني الاكتفاء بقطعة خبز وأتحمّل الجوع، لكن ماذا عن أطفالي؟ إنهم صغار وأبرياء. إلى متى يمكنني أن أواسيهم بوجبة لذيذة وأخدعهم؟ ".
هذه الأم ليست إلا واحدة من آلاف النساء اللواتي أصبحن خلال الأشهر الأخيرة عاجزات عن تأمين أبسط متطلبات الحياة لأطفالهن تحت وطأة التضخم الجامح.
وبحسب البيانات الصادرة عن مركز الإحصاء الإيراني، بلغت نسبة التضخم في المواد الغذائية منذ بداية الحرب نحو 115 بالمئة؛ وهو رقم يعني ببساطة أن أسعار معظم المواد الغذائية قد تضاعفت أكثر من مرتين. هذا الارتفاع الجنوني للأسعار جاء في وقت فقدت فيه العملة الوطنية الإيرانية ما يقارب نصف قيمتها، في انهيار يقترب من مئة بالمئة.
وبالنسبة لنساء مثل بدرية. ل، فإن تزامن هذين العاملين؛ الغلاء غير المسبوق وانهيار قيمة العملة، يعني أن حتى أبسط احتياجات الحياة أصبحت بعيدة المنال.
أطفال الأحياء المهمّشة
وتُظهر الزيارات الميدانية إلى الأحياء المهمّشة في كرماشان أن قسماً كبيراً من هؤلاء الأطفال كانوا يعيشون أصلاً في فقر مدقع حتى قبل اندلاع الحرب، إلا أن بدء الحرب والارتفاع غير المسبوق في الأسعار جعلا أوضاعهم الغذائية أكثر كارثية من أي وقت مضى.
في كثير من العائلات، اختفى اللحم من المائدة منذ سنوات، بعدما تحوّل إلى سلعة خارج قدرة الناس تماماً. فالأسر التي كانت تشتري لحم الدجاج مرة واحدة في الشهر، باتت اليوم تعتمد على أجنحته أو أعناقه أو أقدامه لتأمين الحدّ الأدنى من الغذاء؛ وهي أجزاء كانت تُعدّ سابقاً من المخلّفات. وتقول الأمهات إنهن يشترين هذه الأجزاء فقط للحفاظ على نكهة تشبه اللحم في الطعام كي لا يشعر الأطفال بالحرمان. وفي بعض البيوت، حتى هذه القطع الرخيصة تُوزَّع بنظام الحصص، إذ تفضّل الأمهات الامتناع عن الأكل ليبقى ما يكفي لأطفالهن.
ويقول علي. ن، وهو بائع دجاج في حيّ كرناجي بمدينة كرماشان "أعمل في بيع الدجاج منذ سنوات، لكن الآن وبعد أن ارتفع سعر كل شيء، لم يعد الناس قادرين حتى على شراء الدجاج. هناك امرأة توفي زوجها ولديها طفلان، تأتي كل بضعة أيام وتتوسل إليّ أن أحتفظ لها بأرجل الدجاج وأجنحته لتطبخ لأطفالها. ماذا يمكنها أن تفعل؟ إنها مضطرة لإيجاد أي طريقة لسدّ جوع أطفالها، والإنسان فعلاً لا يعرف ماذا يقول. الوضع يزداد سوءاً كل يوم".
ويقول البائع إنه يعمل في هذه المهنة منذ سنوات طويلة، لكنه لم يشهد يوماً عجز الناس بهذا الشكل عن شراء سلعة عادية وأساسية، ولا يُعدّ هذا الحديث مجرد تجربة فردية، بل هو مؤشر على حجم الضغوط الاقتصادية الهائلة الواقعة على الأسر ذات الدخل المحدود، ولا سيما المعيلات لأسرهن؛ ضغوط جعلت الموائد أصغر، والخيارات الغذائية أكثر محدودية، وحرمت الأطفال من الحصول على غذاء صحي.
وجه الجوع في شوارع كرماشان
لكن لفهم عمق أزمة التغذية بين الأطفال في كرماشان، لا حاجة للتسلل إلى البيوت المتهالكة والرطبة في أطراف المدينة أو البحث عن الأطفال الجائعين في عتمة الأحياء المهمّشة. يكفي أن يسير المرء بضع دقائق في شوارع المدينة فمشهد الأطفال الجالسين في أحضان أمهاتهم، وقد دفعتهم الحاجة إلى التسوّل من أجل البقاء، أبلغ من أي إحصائية أو تقرير.
هؤلاء الأطفال أمضوا حياتهم القصيرة كلها في الفقر والجوع؛ جيل نشأ وسط الحرمان حتى قبل أن تتاح له فرصة عيش طفولته، وبالاستناد إلى المعطيات والتحليلات السابقة، يمكن القول بثقة أكبر إن أوضاع الأطفال في كرماشان، وهي المحافظة التي تحتل المرتبة الثانية على مستوى البلاد في مؤشر البؤس وفق الإحصاءات الرسمية، قد أصبحت أكثر كارثية نتيجة التداعيات المباشرة وغير المباشرة للحرب.
وبشكل عام، يمكن القول إن الوضع الاقتصادي للمجتمع، في ظل القرارات الحكومية التي لا تتوقف عن قرع طبول الانتصار في الحرب، يعيش حالة انهيار عميق ومستنزف، وهذا الانهيار لا يقتصر على الأرقام والرسوم البيانية، بل ينعكس مباشرة على الحياة اليومية للناس، ويضع الأطفال في مقدمة الفئات الأكثر تضرراً.