من التمكين إلى المناصرة... "تاء مبسوطة" تخلق فرص للنساء في سوريا

تؤمن مؤسسة "تاء مبسوطة" بأن تمكين المرأة يبدأ من منحها الأدوات والفرص، لا المساعدات فقط؛ لذلك عملت على تدريب النساء وفتح أبواب العمل أمامهن، ووفرت مساحة للحوار والمناصرة حول قضايا المرأة السورية.

رنيم خلوف

دمشق ـ مع بداية عام 2011، شهدت سوريا نشاطاً متزايداً في حركة المجتمع المدني، بالتزامن مع اندلاع الأزمة التي سرعان ما ألقت بظلالها على مختلف جوانب الحياة. وكانت النساء من بين الفئات الأكثر هشاشة وتضرراً في ظل الأزمات والحروب، ما دفع العديد من المؤسسات المدنية إلى التدخل في الشأن السوري، بدءاً من بوابة الإغاثة وتوفير الاحتياجات الأساسية، وصولاً إلى برامج التمكين الاقتصادي والاجتماعي.

وتشابهت برامج عدد كبير من هذه المؤسسات في طبيعة الدعم الذي قدمته، من توزيع السلال الغذائية وتنظيم الدورات المهنية إلى توفير سبل لكسب الدخل. لكن مؤسسة "تاء مبسوطة" اختارت مساراً مختلفاً، إذ سعت إلى فتح مساحات جديدة للنساء بعيداً عن الأطر التقليدية للعمل الإغاثي والتمكيني، من خلال الفن والسيناريو كأدوات للتعبير وإعادة بناء الذات. وفي عام 2016، دخلت المؤسسة إلى المشهد المدني بوصفها مساحة نسوية سورية.

 

تأسيس "تاء مبسوطة"

بدأت "تاء مبسوطة" كجمعية مرخصة قانوناً في سوريا تمارس نشاطها في العاصمة دمشق، وتعنى بشؤون المرأة السورية بالعموم، تدعم إبداعها وتعد خططاً لتساعدها أن تكون جزءاً فعلاً لتطوير المجتمع.

بعد عام 2024 تحولت "تاء مبسوطة" لمؤسسة تمارس نشاطها على كامل الجغرافية السورية تتحدث باسكال ديب إحدى عضوات مجلس الإدارة في جمعية "تاء مبسوطة" قائلةً "اهتمينا كثيراً بجانب تمكين المرأة وتعزيز إمكانياتها وكان لنا دور مهم خلال الأزمات التي حصلت في سوريا، فلم نتجه مثلاً إلى موضوع إعطاء السلال الغذائية للنساء، بل فكرنا بشيء مختلف كي نساعدهن على الولوج إلى سوق العمل، مثلاً قدمنا ورشات للتصوير الضوئي وورشات لكتابة السيناريو، أحدها كانت للنساء من عامة الشعب أي من كل الاختصاصات، وأخرى كانت لمن يمتلكن القليل من الخبرة، واتجهنا لشريحة الصم والبكم وحاولنا تأهيلهن أكاديمياً بورشات عمل ليكن قادرات على العمل مباشرة، وبعد الورشات فتحت الأبواب للكثيرات وأصبحت هذه الورش مصدر أو طريق للدخل".

لم تكتف مؤسسة "تاء مبسوطة" بالورشات وإخراج نساء متمكنات يذهبن إلى سوق العمل، بل أنشأت تجمع للفنانين التشكيلين لبيع اللوحات بأرباع الأثمان، حيث عاد دعم هذا المشروع للنساء بفترة جائحة كورونا، وخلال الزلزال خصصت المتطوعات في المؤسسة سلال خاصة بالنساء المتضررات تتضمن المستلزمات الصحية.

 

نقطة حوار!

بعد سقوط النظام حاولت المؤسسة البحث عن مساحة حوار جامعة للسوريين والسوريات، تطرح فيها قضايا المرأة، فكان صالون "تاء" الثقافي كنشاط شهري يجتمع فيه الناس المؤمنين بقضايا النساء من دمشق وبقية المدن السورية.

وعن ذلك تشرح باسكال ديب مستفيضة "بدأت الفكرة أن تكون كل الضيفات نساء لأنهن أكثر قدرة على الحديث بقضايا المرأة، لكن منذ مدة بدأنا أن نستضيف رجال مؤمنين بقضايا النساء لأن الرجل الداعم مهم أن يسمع صوته، وبدأ الحضور شهرياً يزيد ويتوازن جندرياً بين الجنسين، والهدف دائماً هو إيجاد مساحة وطرق أخرى للحوار والمناصرة المجتمعية".

ولا يخلو أي عمل مدني من الصعوبات والمخاطر، وتضيف "نعاني مثل كل المؤسسات اليوم من نقص الموارد وفي كثير من الأحيان تعتمد المؤسسة على تبرعات ومشاركات من أعضاء مجلس الإدارة، وعندما تحولنا لمؤسسة كان من المفروض أن يكون نشاطنا على امتداد الجغرافية السورية، لكن بسبب نقص الموارد حتى اللحظة لم نستطع تفعيل هذا، لذلك حاولنا إيجاد حل بأن ندعي ضيوف إلى حوار صالون تاء الشهري من باقي المدن، ورغم سعي أعضاء المؤسسة الدائم للحصول على تمويل، نجد صعوبات لأن مشاريعنا تعتمد على تمكين المرأة وإجراء دورات وتدريبات وورش، وتحتاج إلى مبالغ أحياناً كبيرة، ونحن لا نملك تمويل، وهذه هي النقطة الرئيسية التي تمنعنا من الانتقال للمدن".

لا تكتف مؤسسة "تاء مبسوطة" بموضوع دعوة الأشخاص من المدن لحضور صالون "تاء" الشهري، بل تهدف من هذه الدعوات إلى نقل المعارف والخبرات، كوسيلة لمواجهة التحديات المتعلقة بالتمويل. وتعقب باسكال ديب "نحن كل مرة نُفاجئ بالحضور القوي من المدن رغم بعد المسافات، حيث تنقل مندوبات المدن هذه الحوارات واللقاءات إلى مؤسسات مدنية أخرى في المدن، بحيث تكون ممثلة لتاء مبسوطة وتجربتها وهذا الهدف الذي تسعى المؤسسة إليه".

تضم "تاء مبسوطة" متطوعات من مختلف الأعمار والأجيال، يجمعهن طموح مشترك بالتوسع أكثر في مختلف المدن السورية، والوصول إلى شريحة أوسع من النساء، إلى جانب الحصول على تمويل أكبر يتيح لهن توسيع نطاق عملهن.

 ورغم محدودية الأنشطة والموارد المتاحة، فإن مجرد حجز مساحة مدنية لأصوات النساء في سوريا يمثل إنجازاً يستحق التقدير، والأهم أنه مساحة ينبغي العمل على توسيعها وتعزيز حضورها وتأثيرها.