السودان في ظل الصراع... اقتصاد منهك ومستقبل التعافي مجهول

مع استمرار الصراع في السودان، تتفاقم الأزمة الاقتصادية وتتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وسط انهيار العملة وارتفاع الأسعار وتضرر القطاعات الإنتاجية.

ميرفت عبد القادر

السودان ـ لم تعد الأزمة الاقتصادية في السودان مجرد أرقام عن التضخم أو سعر الصرف في نشرات الأخبار، بل تحولت إلى تفاصيل يومية قاسية. أم تحذف اللحم من قائمة التسوق منذ شهور، وطالب جامعي ترك دراسته ليعمل في الأسواق إن وجد عملاً، ومزارع ينظر إلى أرضه التي تعطلت زراعتها بعد أن سُرقت آلياته واحترق محصوله. إنها معركة بقاء بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يخوضها ملايين السودانيين في ظل حرب أرهقت البلاد وأدخلت اقتصادها في واحدة من أشد أزماته في التاريخ الحديث.

من الخرطوم التي كانت قلب الاقتصاد النابض، إلى دارفور وكردفان والجزيرة، وهي من أبرز مناطق الإنتاج الزراعي والحيواني، وصولاً إلى بورتسودان التي تحولت إلى مركز إداري واقتصادي مهم خلال الصراع، تتكرر القصة ذاتها: عملة تتراجع قيمتها، وأسعار ترتفع باستمرار، ومواطن يقف وحيداً في مواجهة أزمة لم يصنعها.

فكيف وصل ثالث أكبر بلد في أفريقيا من حيث المساحة، والغني بموارده الزراعية والمعدنية، إلى هذه الحافة؟ وكيف تحول اقتصاد كان يُنظر إليه باعتباره من الاقتصادات الواعدة زراعياً في المنطقة إلى اقتصاد أنهكه الصراع، وأصبح يعتمد كثير من مواطنيه على المساعدات وتحويلات المغتربين؟ وما الثمن الحقيقي الذي يدفعه المواطن عندما تتراجع القدرة على تمويل الخدمات الأساسية وتوفير الغذاء والدواء في ظل متطلبات الصراع؟

المسؤولة الاقتصادية والدكتورة هبة محمد نور أجابت وكالتنا على هذه الأسئلة، وأوضحت طبيعة الأزمة، وكشفت كيف اجتمعت الاختلالات الاقتصادية القديمة مع الصراع المدمر لتنتج واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخ السودان الحديث.

وتقول "مر الاقتصاد السوداني على المدى الطويل بالعديد من المراحل والأزمات، لكن أصعب هذه المراحل هي المرحلة الحالية التي نسميها اقتصاديات الحروب. فدائماً هناك انعدام استقرار؛ لأنه لا يوجد استقرار سياسي ولا أمني، وبالتالي لا يوجد استقرار اقتصادي، لأن أساس الاستقرار الاقتصادي يُبنى دائماً على الاستقرار الأمني والسياسي".
 

جذور الانهيار... استيراد يفوق التصدير

وتعود هبة محمد نور إلى جذور الأزمة لتؤكد أنها لم تبدأ مع اندلاع الصراع، بل سبقتها اختلالات هيكلية جعلت الاقتصاد السوداني هشاً أمام الصدمات، ومن أبرزها ضعف الإنتاج وتراجع الصادرات مقارنة بالواردات.

وتقول "السودان يستورد أكثر مما يصدر، وصادراته تراجعت بصورة كبيرة، وبالتالي تتراجع الإيرادات، لأنه لا يملك إنتاجاً كافياً يغطي احتياجاته".

وأضافت أن الأرقام المتداولة حالياً قد لا تكون دقيقة بصورة كاملة بسبب خروج مناطق واسعة عن السيطرة وتعطل المؤسسات الإحصائية وصعوبة جمع البيانات، لكنها تعكس حجم الأزمة، مشيرة إلى أن معدلات الفقر ارتفعت بصورة كبيرة، وتراجعت الإيرادات العامة، فيما ظل التضخم عند مستويات مرتفعة ومتقلبة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين.

أما أخطر مظاهر الانهيار فأرجعته إلى تدهور سعر الصرف، وهو ما تصفه هبة محمد نور بأنه "تشوه هيكلي"، حيث تقول "المشكلة أن بنك السودان المركزي يفترض أن يكون هو المسيطر على سوق النقد، لكن بسبب الصراع وانعدام الإنتاج ظهرت مشكلة السوق الموازي وأصبح مؤثراً بصورة كبيرة في تحديد سعر الصرف".
 

الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي

وتوضح أن الجنيه السوداني شهد تراجعاً حاداً أمام الدولار، مع اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي، مشيرة إلى أن أسعار الصرف التي كانت تدور حول مئات الجنيهات للدولار قبل الصراع وصلت خلال مراحل لاحقة إلى آلاف الجنيهات، مع اختلاف الأسعار بحسب الفترة ومصدر التعامل.

وتقول "نحن نحتاج إلى عملة لاستيراد القمح والمحروقات، وهما من أكثر الاحتياجات التي يعاني المواطن من ارتفاع تكلفتها. فمن أين سيأتي البنك بالعملة في ظل تراجع الإيرادات وضعف الصادرات؟ فيضطر إلى الاعتماد على الموارد المتاحة من الضرائب والجمارك، بينما يؤدي نقص النقد الأجنبي إلى زيادة الضغط على سعر الدولار في السوق الموازي".

وأكدت أن السودان فقد جزءاً كبيراً من قدراته الإنتاجية الزراعية والحيوانية بسبب الصراع، إذ تعرضت مناطق رئيسية للإنتاج، خاصة في دارفور وكردفان والجزيرة، لأضرار واسعة نتيجة المعارك والنزوح ونهب الممتلكات وتعطل سلاسل الإمداد، كما أن المنتجات الزراعية والحيوانية تأثرت أيضاً بصعوبة نقلها وتسويقها، وظهرت عمليات تهريب وتغير في مسارات التجارة عبر الحدود، ما حرم البلاد من جزء من عائدات صادراتها.

وتشير إلى أن الصمغ العربي، الذي يُعد من أهم المنتجات النقدية السودانية والمطلوبة في الأسواق العالمية، تأثر إنتاجه وتسويقه بسبب الصراع، إذ يمتد حزام إنتاجه عبر مناطق متعددة من السودان، تعرض بعضها للاضطراب الأمني وتعطل حركة التجارة. كما تضررت البنية التحتية لمشروع الجزيرة، الذي يمثل أحد أهم المشروعات الزراعية في البلاد، وتراجعت أنشطة إنتاج القطن ومحاصيل أخرى، فضلاً عن تأثر مناطق إنتاج الذهب، الأمر الذي انعكس على موارد الدولة من النقد الأجنبي.
 

ميزانية البندقية ضد ميزانية الرغيف

وترجع هبة محمد نور معضلة الإنفاق العام في هذه الفترة إلى صعوبة الموازنة بين متطلبات الصراع والاحتياجات الأساسية للمواطنين، في ظل تراجع الإيرادات العامة وارتفاع النفقات الأمنية والعسكرية، الأمر الذي يضاعف الضغوط على الخدمات والقطاعات الإنتاجية "لو خُيّر أي مواطن بين تحرير مدينته أو توفير الأكل والشراب له، سيختار تحرير مدينته، فأغلب سكان الخرطوم وود مدني كانوا يحتاجون إلى تحرير مناطقهم ليتمكنوا من العودة بعد أن فقدوا بيوتهم"، مؤكدة أن "الموازنة تواجه ضغطاً كبيراً إذ تتنافس متطلبات الصراع مع احتياجات الغذاء والصحة والتعليم وإعادة تأهيل البنية التحتية".
 

هل يجوع السودان؟

وأوضحت أنه رغم امتلاك السودان موارد طبيعية عديدة، فإن ذلك لم يمنع وقوع مجاعة في مناطق من البلاد، وفق تقارير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، التي وثقت مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي في بعض المناطق، خصوصاً في دارفور وأجزاء من كردفان.

ورغم قتامة المشهد، ترى هبة محمد نور أن السودان يمتلك مقومات زراعية ومائية يمكن أن تساعده على تجاوز الأزمة الغذائية، لكنها تشير إلى أن الاستفادة من هذه الموارد تتطلب توفير الأمن والوقود والآليات والمدخلات الزراعية، إلى جانب تسهيل حركة الإنتاج والتجارة.
 

لن يتعافى اقتصاد السودان سريعاً

وأوضحت هبة محمد نور أن علاج الاقتصاد السوداني سيكون طويلاً، ولا يمكن أن يتحقق بصورة سريعة، لأن اقتصاد ما بعد الصراع يحتاج إلى إعادة بناء المؤسسات والبنية التحتية واستعادة النشاط الإنتاجي والتجاري، إلى جانب إصلاح النظام المالي والمصرفي.
 

الإرادة السياسية والإدارة الأقتصادية

وأكدت أن المشكلة ليست في الحكومة التي تأتي أو تذهب، لكن المشكلة في السياسات التي تتبعها الحكومات، فإصلاح الاقتصاد يحتاج إلى عزيمة وإرادة وشفافية ورؤية منطقية واضحة، وليس مجرد كلام على ورق.

وتختتم المسؤولة الاقتصادية هبة محمد نور حديثها بالتأكيد على أن الطريق نحو التعافي سيكون صعباً وطويلاً، لكنه ليس مستحيلاً إذا توفرت الإرادة السياسية والاستقرار الأمني والإدارة الاقتصادية الرشيدة "استعادة الإنتاج وتوفير فرص العمل وتحسين مستوى معيشة المواطنين هي الأسس الحقيقية لبناء اقتصاد سوداني قادر على تجاوز آثار الصراع".