القدرة الشرائية تحت الضغط... ماذا حدث للاقتصاد الإيراني؟

أعاد الجدل حول "كالابرغ" إلى الواجهة ملف القدرة الشرائية للأسر الإيرانية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متعددة.

مركز الأخبار ـ أثارت عبارة فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، خلال مؤتمر صحفي لها في التاسع والعشرين من أيلول/سبتمبر الفائت، بأن "قسيمة السلع ليست لشراء البُفَك"، جدلاً تجاوز مسألة هذا المنتج أو حتى وظيفة "كالابرغ" نفسها.

فقد جاءت العبارة رداً على سؤال صحفي حول الزيادة المحتملة البالغة 300 ألف تومان في رصيد القسيمة، وما إذا كانت تكفي في ظل الارتفاع المستمر للأسعار. وأوضحت فاطمة مهاجراني أن القسيمة مخصصة لشراء السلع الأساسية، فيما كان مبلغ الـ 300 ألف تومان آنذاك لا يزال زيادة محتملة ولم يكن قد حسم نهائياً.

لكن أهمية هذه الواقعة تكمن في السؤال الذي يقف خلفها: لماذا أصبحت زيادة ببضع مئات الآلاف من التومانات في دعم حكومي مسألة أساسية في نقاش معيشة الأسرة الإيرانية؟

للإجابة، لا بد من العودة إلى الوضع الاقتصادي الذي سبق الحرب، لأن تفسير الأزمة الحالية يتطلب الفصل بين مشكلات كانت قائمة أصلاً، وآثار العقوبات، والضغوط التي أضافتها الحرب.

 

اقتصاد مثقل بالمشكلات قبل الحرب

أظهر تقرير البنك الدولي الصادر في نيسان/أبريل 2025، أن الاقتصاد الإيراني كان يواجه بالفعل ضغوطاً متعددة. فقد تباطأ النمو، وتراجع إنتاج النفط تحت تأثير تشديد العقوبات الأمريكية وانخفاض الطلب الصيني، كما تأثر القطاع غير النفطي بالعقوبات ونقص الطاقة وارتفاع حالة عدم اليقين.

لكن العقوبات لم تكن العامل الوحيد. فقد أشار البنك الدولي أيضاً إلى ضعف الاستثمار وعدم كفاءة قطاع الطاقة، والانقطاعات المتكررة للكهرباء والغاز، وارتفاع الضغوط على موازنة الدولة، وانخفاض مشاركة القوى العاملة. وبلغت نسبة المشاركة في سوق العمل نحو 41 في المئة، مقابل 14.1 في المئة فقط للنساء.

وتكشف هذه المؤشرات أن الحرب لم تبدأ في اقتصاد مستقر ثم قلبت أوضاعه، بل دخلت على اقتصاد يعاني أصلاً من اختلالات متراكمة. وفي الوقت نفسه، فإن ذلك لا يقلل من أثر الحرب أو العقوبات؛ فكل منهما يمكن أن يضيف صدمات جديدة إلى اقتصاد هش أصلاً.

 

التضخم جوهر أزمة القدرة الشرائية

في قلب هذه المعادلة يقف التضخم. فزيادة الدخل أو الدعم لا تعني زيادة حقيقية في القدرة الشرائية إذا كانت الأسعار ترتفع بوتيرة أسرع. ولذلك فإن النقاش حول زيادة رصيد "كالابرغ" ليس في جوهره نقاشاً حول 300 ألف تومان، بل حول القيمة الفعلية لهذا المبلغ أمام تكاليف المعيشة.

وكالابرغ الإلكتروني نظام كوبونات أو قسائم تموينية رقمية اعتمدته الحكومة الإيرانية كآلية بديلة للدعم النقدي المباشر، بهدف حماية القدرة الشرائية للمواطنين وتأمين السلع الغذائية الأساسية في ظل التضخم المرتفع وتراجع قيمة العملة المحلية.

فإذا زادت قيمة القسيمة، بينما ارتفعت أسعار الغذاء والسكن والعلاج والتعليم والطاقة بوتيرة أكبر، فإن الدعم الاسمي يرتفع، لكن أثره الحقيقي يتقلص. ومن هنا تصبح قيمة الدعم مرتبطة ليس بحجمه النقدي فقط، بل بما يستطيع هذا المبلغ شراءه فعلياً.

وتُعد "كالابرغ" أداة لتخفيف جزء من تكاليف السلع الأساسية، لكنها لا تستطيع بمفردها معالجة التضخم أو ضعف الاستثمار أو مشكلات الطاقة أو عجز الموازنة. بل إن تحول الدعم المعيشي من إجراء مكمل ومؤقت إلى عنصر دائم في دخل الأسرة قد يكون بحد ذاته مؤشراً على تراجع القدرة الشرائية للدخل العادي.

 

العقوبات والحرب والمشكلات الهيكلية

لا يمكن فهم الوضع الاقتصادي الإيراني من خلال عامل واحد. فالعقوبات قبل الحرب ضغطت على صادرات النفط والإيرادات من العملات الأجنبية والتجارة والاستثمار، بينما كانت مشكلات الطاقة والموازنة والاستثمار وسوق العمل قائمة بصورة مستقلة.

أما الحرب، فقد أضافت إلى هذه الضغوط مخاطر جديدة، من بينها الأضرار المحتملة للبنية التحتية، واضطراب التجارة والنقل، وزيادة الإنفاق الحكومي، وتراجع الإيرادات، وارتفاع حالة عدم اليقين. ويمكن لهذه العوامل أن تزيد تكاليف الإنتاج وتضغط على الأسعار والدخل الحقيقي للأسر.

وينطبق ذلك بصورة خاصة على قطاع الطاقة. فقد كانت أزمة الكهرباء والغاز ونقص الاستثمار وعدم الكفاءة موجودة قبل الحرب، ويمكن للحرب أن تفاقمها، لكنها لم تكن سبب ظهورها من الأساس. وكذلك الحال بالنسبة إلى موازنة الدولة التي كانت تواجه قبل الحرب ضغوطًا مرتبطة بالنفقات الجارية والتحويلات والرواتب والمعاشات وتقلب الإيرادات النفطية.

 

المشكلة أوسع من "كالابرغ"

لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت "كالابرغ" مخصصة لشراء البُفَك أم لا، بل لماذا أصبحت الأسر أكثر اعتماداً على الدعم الحكومي لتأمين احتياجاتها الأساسية، وهل تتناسب قيمة هذا الدعم مع الارتفاع الفعلي في تكاليف المعيشة؟

الإجابة لا يمكن الحصول عليها من خلال مقارنة مبلغ القسيمة وحده. المطلوب هو النظر إلى العلاقة بين الأسعار والدخل والتوظيف والتضخم والاستثمار والسياسات الحكومية. فضعف مشاركة القوى العاملة، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وأزمات الطاقة، والعقوبات، والضغوط المالية على الدولة، كلها عوامل تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في القدرة الشرائية.

ومن ثم، فإن اختزال الأزمة المعيشية في الحرب وحدها لا يعكس كامل الصورة، كما أن تجاهل أثر الحرب والعقوبات سيكون ناقصاً بدوره. البيانات السابقة للحرب تشير بوضوح إلى أن الاقتصاد الإيراني كان يعاني مشكلات عميقة قبل اندلاع المواجهة، بينما يمكن للحرب والضغوط الخارجية أن تزيد هذه المشكلات حدة واتساعاً.