الجبن الكردي… موروث نسائي يحفظ نكهة الجبال
يعد الجبن الكردي أحد أبرز ملامح التراث الغذائي في إقليم كردستان، إذ تحافظ النساء على صناعته بطرق تقليدية متوارثة، تمنحه نكهته القوية وقيمته الاقتصادية، ليبقى جزءاً أصيلاً من حياة الريف الكردي.
شلير كويي
كويه ـ يُعد الجبن الكردي واحداً من أبرز وأشهى المنتجات التقليدية في إقليم كردستان، إذ يحمل تاريخاً طويلاً متجذراً في حياة البدو والقرى. ويُصنع هذا الجبن غالباً خلال فصلي الربيع والصيف، حين ترعى المواشي في المراعي الجبلية الغنية، ويُحضر من حليب الماعز أو الأغنام وفق طرق طبيعية متوارثة عبر الأجيال.
يتميز الجبن بنكهته القوية، ورائحته الفريدة، وصلابته التي يكتسبها بعد فترات طويلة من التجفيف والتخمير. وغالباً ما يحفظ هذا الجبن لفصل الشتاء داخل أوانٍ فخارية تدفن تحت الأرض. كما يضاف إليه أحياناً مقدار قليل من الرماد، مما يمنحه نكهة خاصة ويجعله يستخدم في بعض الأحيان كعلاج طبيعي في الممارسات الشعبية.
كما تتميز المنتجات اللبنية في إقليم كردستان بإمكاناتها الاقتصادية الكبيرة، فلو حظيت بالاهتمام الكافي، لأصبحت بمثابة "ثروة بيضاء" لا تقل شأناً عن "النفط الأسود". إذ تمتلك قابلية التصدير إلى الخارج، مما يوفر فرص عمل أوسع للرعاة والمزارعين، ويسهم في إدخال مورد اقتصادي مهم إلى الإقليم.
ورغم هذه الإمكانات، ما زال هذا المنتج المحلي يفتقر إلى الرعاية اللازمة التي تمكنه من التحول إلى مصدر ثابت للدخل الوطني، على الرغم من أن تحقيق ذلك يبدو ممكناً في المستقبل.
وعن صناعة الجبن الكردي، تقول صبيحة عمر، من قرية "تيماروك" في إقليم كردستان "نشأت في بيت كان فيه الجميع يعملون في الرعي، ومنذ طفولتي كنت أصنع الجبن ومختلف مشتقات الحليب. ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم ما زلت أواصل هذا العمل".
وتضيف "من حليب الماعز أُحضر أنواعاً متعددة من المنتجات اللبنية مثل الجبن، اللور، الميراو، اللبن، الداندوك، الكشك، وغيرها الكثير، ولا سيما في فصل الربيع حين تكثر الأعشاب ويزداد إنتاج المواشي. عندها نصنع معظم هذه المنتجات. أما في فصل الصيف، فيقل الحليب، ونكتفي بصنع اللبن ونأخذه إلى المدينة لبيعه لأصحاب المحال".
وعن طريقة إعداد الجبن وسائر المنتجات اللبنية مثل اللبن وغيرها، توضح صبيحة عمر "بعد حلب الماعز نترك الحليب ليستقر، ثم نُخمره لعدة ساعات. بعدها نضيف إليه الخميرة الخاصة ليصبح لبناً. أما الجبن، فنضيف له الخميرة أيضاً مع مادة علاجية مخصصة، ثم نتركه ليتخمر حتى يتماسك. وبعد ذلك نشكله على هيئة قوالب. أما السائل المتبقي من عملية التجبين فنحوله إلى لور. وجميع هذه المنتجات نبدأ بتحضيرها عادةً في ساعات الصباح الأولى".
وفي ختام حديثها، أكدت صبيحة عمر أن الجبن الذي يصنعنه في المنازل وبأيديهن يختلف تماماً عن الأجبان المتوافرة في الأسواق، فلكل نوع منها بلد منشأ وطابع خاص. أما منتجاتهن المنزلية فتمتاز بمذاق أغنى ونكهة مميزة لا تشبه غيرها، موضحة أنهن يقمن بتخزين هذه المنتجات لفصل الشتاء، حيث يزداد الإقبال على تناولها في ذلك الوقت.