ناشطة: جرائم إيران ضد المحتجين ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية

تشهد إيران منذ سنوات موجات احتجاجية واسعة عبر خلالها الشعب عن رفضه لسياسات الجمهورية الإسلامية ومطالبته بالحرية والمساواة، وقابلت السلطات هذه التحركات بالقمع والاعتقالات والقتل في انتهاك ممنهج لحقوقهم الإنسانية.

شهلا محمدي

مركز الأخبار ـ أكدت الناشطة الحقوقية شوليه زاميني، أن ما يجري في إيران يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية، مشيرة إلى أن الرسالة التي وجهها المحتجون كانت واضحة، وهي رفض استمرار هذه الحكومة عن تحقيق المساواة للمرأة وضمان الحرية والحياة الكريمة للمواطنين.

تستمر الاحتجاجات في إيران وسط تصاعد حدة القمع من قبل السلطات، التي وصفت التحركات الشعبية بأنها "أعمال إرهابية"، وتأتي هذه التطورات في وقت يثير جدلاً واسعاً على الصعيد الدولي حيث يلتزم معظم المجتمع الدولي بالصمت، أو يظهر قدراً من اللامبالاة تجاه ما يجري، واكتسبت القضية أهمية خاصة من منظور حقوق الإنسان مع تزايد التقارير عن مقتل العشرات في الشوارع، وفي سياق متصل دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تنظيم احتجاجات، إلا أنه الآن يتبنى نهجاً مختلفاً ما يضيف بعداً سياسياً جديداً إلى المشهد.

ولمناقشة القضايا المرتبطة بملف حقوق الإنسان وفي مقدمتها أسباب تجاهل دول العالم للانتهاكات الواسعة النطاق، والدور الذي تلعبه المصالح والمعاملات الدولية في تكريس هذا الصمت، إضافة إلى أسباب استمرار صمت العديد من الحكومات إزاء انتهاكات حقوق الإنسان في دول أخرى، عندما تكون مصالحها الوطنية مهددة أو على المحك كان لنا الحوار التالي مع الناشطة الحقوقية شوليه زاميني.

 

في إطار متابعتنا للاحتجاجات في إيران، والتي يصفها كثيرون بأنها مطالب مشروعة في جوهرها، لكنها في الوقت نفسه تُستغل من قبل بعض الحكومات، ما هو تقيمك لهذه التحركات الشعبية وتحليلك للوضع الراهن.

في الواقع عبّر الشعب الإيراني بوضوح عن مطالبه عبر الشعارات والحضور الجماهيري الواسع في الشوارع، مطالباً بالمساواة في الحقوق، ومنذ عام 2022 شهدت البلاد موجة احتجاجات عارمة امتدت من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، عقب مقتل جينا أميني التي لُقبت بـ 'فتاة إيران'، وأسفرت هذه التحركات عن مقتل العديد من الضحايا وإصابة آخرين، بعضهم وصل إلى مرحلة العجز، في سبيل رفع Jin Jiyan Azadî   وتحويله إلى واقع ملموس، الرسالة التي وجهها المحتجون كانت واضحة وهي رفض استمرار هذه الحكومة التي يرونها عاجزة عن تحقيق المساواة للمرأة، ضمان الحرية والحياة الكريمة للمواطنين، فيما يتركز مطلبهم الأساسي على تخلي الجمهورية الإسلامية عن الحكم.

في المقابل، ردّت الجمهورية الإسلامية بالقتل والقمع فأعادت الناس قسراً وبعنف إلى منازلهم، واعتقلت الكثيرين وأصدرت أحكاماً قاسية من بينها الإعدام، اليوم نشهد مجدداً اندلاع احتجاجات وهذه المرة في أعقاب مشاكل اقتصادية، فقد أضرب عمال الأسواق احتجاجاً على عدم استقرار العملة وعجز الحكومة عن خلق سوق مستقرة، لكن القمع بدأ فوراَ ففي اليوم الثاني من الإضراب بدأ إطلاق النار على المحتجين وأُصيب كثيرون مع أن عدداً أقل من الناس تجرأ على التحدث علناً عن هذا القمع.

تسعى السلطات في الجمهورية الإسلامية إلى إحكام سيطرتها على الشعب الإيراني عبر أساليب الترهيب والقمع، غير أن احتجاجات الأسواق سرعان ما اتسعت لتتحول إلى مظاهرات واسعة شملت مختلف أنحاء البلاد، من البلدات الصغيرة إلى المدن الكبرى، رافعة مطلباً واحداً وهو إنهاء حكم الجمهورية الإسلامية، ويجمع غالبية الإيرانيين على رفض النظام القائم، فيما يقتصر دعمه على فئة من المرتبطين بمصالح مباشرة مع الحكومة.

ويرى مراقبون أن النظام فقد شرعيته منذ سنوات، وهو ما عبر عنه الشعب مراراً عبر الاحتجاج العلني ورفضه القاطع لاستمرار الحكم، ومع ذلك تحولت الجولة الأخيرة من الاحتجاجات إلى أعمال عنف نتيجة الإجراءات الأمنية المشددة، حيث لجأت القوات إلى استخدام الرصاص لتفريق المحتجين، في تكرار لأساليب القمع التي شهدتها البلاد خلال احتجاجات سابقة.

أفادت تقارير حقوقية بأن استخدام الرصاص لم يكن بهدف تفريق التجمعات أو إبعاد المحتجين عن المناطق التي تصفها السلطات بالاستراتيجية، بل استُخدم لإحداث إصابات بالغة تصل إلى فقدان البصر والتشويه وحتى القتل، في محاولة لإرهاب المواطنين وثنيهم عن ممارسة حقهم الطبيعي في الاحتجاج، وتشير تقديرات إلى مقتل ما بين 12 و20 ألف قتيل، فيما وثّقت منظمة حقوق الإنسان الإيرانية وفاة أكثر من 3400 شخص، كما وردت أنباء عن استئصال عيون أكثر من 400 مصاب في مستشفى واحد فقط، في وقت تتواصل فيه اعتقالات الأطباء وتتعرض بعض المستشفيات لهجمات من قبل قوات الأمن.

 

 ما هي وجهة نظرك لصمت المجتمع الدولي وتقاعسه عن محاسبة الجمهورية الإسلامية، رغم الجرائم المرتكبة بحق المحتجين، خصوصاً وأن بعض الدول كانت قد أعلنت سابقاً ضرورة المحاسبة في حال مقتلهم؟

ما تفعله الجمهورية الإسلامية اليوم مثالٌ صارخٌ على "جريمة ضد الإنسانية" ولا سبيل لوصفها بغير ذلك، إننا نواجه مجازر ترتكب بحق المدنيين، حتى عندما تحاول الجمهورية الإسلامية تصوير المحتجين على أنهم "إرهابيون" في المحافل الدولية ووسائل الإعلام الرسمية، فقد صرّح المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بوضوح أنه حتى لو وُجد أفرادٌ ذوو سلوكٍ عنيفٍ بين الحشود، فإن غالبية المحتجين هم أناسٌ عاديون، وإطلاق النار عليهم غير مُبرَّرٍ بأي حالٍ من الأحوال، إن الاحتجاجات السلمية أو حتى أعمالٌ بسيطةٌ كإشعال النار في صناديق القمامة، ليست أبداً حلاً لإطلاق النار بقصد القتل.

لم تكن الأحداث الأخيرة مجرد حملة قمع عشوائية، بل جاءت نتيجة تخطيط مسبق من قبل الجمهورية الإسلامية، ونفذت بوحشية، ورغم محاولات الحكومة تبرير ما جرى تحت شعار 'الحرب على الإرهاب'، إلا أن الحقائق باتت واضحة أمام المجتمع الدولي، فقد شهدنا بعض ردود الفعل، منها استدعاء عدد من الدول لسفراء الجمهورية الإسلامية، وعقد مجلس الأمن اجتماعاً لمناقشة الوضع، كما يعمل نشطاء حقوق الإنسان على الدفع باتجاه عقد جلسة استثنائية لمجلس حقوق الإنسان، فيما يواصل المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في إيران متابعة القضية منذ بداية الإضرابات، وفي السياق ذاته أكدت لجنة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق أن قمع احتجاجات  Jin Jiyan Azadîيرقى إلى جريمة ضد الإنسانية.

أقدمت السلطات على قطع الإنترنت على نطاق واسع، وجمع معدات البث الفضائي، وتنفيذ هجمات على مراكز مختلفة بهدف منع نشر الوثائق المتعلقة بالمجزرة الأخيرة، ورغم ذلك ما زالت مقاطع الفيديو والشهادات تتداول لتؤكد أن قوات الأمن هي من أطلقت النار على المحتجين وليس ما تصفه السلطات بـ 'الإرهابيين'، ويشير مراقبون إلى أن النظام دأب على تزييف الحقائق ونسب الجرائم إلى المعارضة، من الهجمات بالأسلحة البيضاء إلى العمليات المنظمة في محاولة لإخفاء دوره، غير أن هذه الممارسات باتت واضحة للشعب وللمجتمع الدولي.

تتحمل الجمهورية الإسلامية المسؤولية المباشرة عن المجازر المرتكبة بحق المدنيين، وإذا لم تُحاسب اليوم فإنها ستواجه بلا شك محاسبة أمام الإيرانيين غداً، وتبرز في هذا السياق تقارير تتحدث عن احتمال دخول قوات من الحشد الشعبي إلى إيران، ما يثير التساؤلات حول تورط وكلاء الجمهورية الإسلامية في عمليات القمع والقتل، وتطرح هذه المعطيات قضية بالغة الأهمية تتعلق بكيفية محاسبة هذه الأطراف، وما هي الأدوات القانونية والدولية المتاحة لملاحقة مثل هذه الجرائم.

 

بالنظر إلى أن هذه الأفعال تندرج ضمن إطار الجرائم ضد الإنسانية، ولا تقتصر على إيران، بل تتكرر في الشرق الأوسط ومن المتوقع وجود آليات لمحاسبة الجناة، ما رأيناه حتى الآن هو إصدار بيانات وإدانات لفظية، دون أي محاسبة ما هو تقييمكم لهذا الوضع؟

ليس صحيحاً أن المجتمع الدولي اكتفى بالتعبير عن الأسف ينتاب الكثيرين هذا الانطباع هذه الأيام لكن المؤشرات تدل على أن مسار المساءلة وإن كان بطيئاً بدأ يتبلور، فعلى سبيل المثال في عام ٢٠٠٩ وبعد قمع الاحتجاجات التي شارك فيها الملايين، جلسنا أمام مقر الأمم المتحدة في فيينا وطالبنا بتعيين مقرر خاص معني بحقوق الإنسان لإيران، لأن الحكومة كانت تقتل المحتجين، في ذلك الوقت لم يُستجب لهذا المطلب ولكن بعد بضع سنوات تمت الموافقة على تعيين المقرر الخاص.

اليوم لا يوجد سوى عدد قليل من الدول في الأمم المتحدة لديها مقرر خاص وإيران إحداها ليس من قبيل الصدفة بل بسبب الانتهاكات التي ترتكبها السلطات، فبعد احتجاجات خوزستان ثم احتجاجات البنزين، دعت المنظمات غير الحكومية إلى إنشاء بعثة مستقلة لتقصي الحقائق لتوثيق عمليات القتل وتسجيلها تمهيداً لمحاكمات مستقبلية، تُحاكم فيها كل من مرتكبي هذه الجرائم.

خلال انتفاضة Jin Jiyan Azadî لاقى هذا المطلب نجاحاً وشُكّلت بعثة تقصي حقائق مستقلة تابعة للأمم المتحدة، واليوم تُطالب منظمات حقوق الإنسان تحديداً بمحاكمة مسؤولي الجمهورية الإسلامية أمام المحكمة الجنائية الدولية، على غرار ما حدث لقادة الأنظمة الفاشية بعد الحرب العالمية الثانية، لأن ما ارتكبته الجمهورية الإسلامية وما زالت ترتكبه يُعدّ مثالاً صارخاً على الجرائم ضد الإنسانية.

يُجسّد التمييز بين الجنسين أحد أبرز مظاهر الاحتجاجات في إيران، حيث تُغامر النساء بحياتهن بالنزول إلى الشوارع رفضاً لفرض الحجاب الإلزامي. ويكشف ذلك بوضوح أن الحكومة ما زالت متمسكة بسياساتها القمعية، ولو امتلكت القدرة لاعتقلت الجميع، غير أن ما تغير اليوم هو صمود النساء والشعب الإيراني، الذين أثبتوا قدرتهم على مواجهة السلطة.

إن عمليات القتل الممنهجة والواسعة النطاق والتي لا تقتصر على مدينة أو منطقة واحدة، هي تحديداً ما توثقه بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق، نأمل أن يُقدَّم قادة الجمهورية الإسلامية وجميع من أمروا بهذه الجرائم وارتكبوها إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي في المستقبل القريب.

 

هل هناك إمكانية لإرسال بعثة مستقلة لتقصي الحقائق في إيران لتوثيق الجرائم ضد المتظاهرين، وهل طُرحت مطالب بذلك من قبل منظمات دولية أو إيرانيين في الخارج؟

يطلب المقرر الخاص للأمم المتحدة عادةً زيارة إيران مرتين سنوياً، وتُرسل هذه الطلبات إلى بعثة الجمهورية الإسلامية لدى الأمم المتحدة، وتتابع بعثة تقصي الحقائق الزيارة وتوثّقها بالطريقة نفسها، لكنها لم تتمكن حتى الآن من الدخول بشكل مستقل، في رأيي يجب مراجعة آليات الأمم المتحدة لضمان المساءلة الحقيقية.

قبل ثورة Jin Jiyan Azadî كانت الجمهورية الإسلامية عضواً في لجنة صنع القرار المعنية بوضع المرأة في الأمم المتحدة، بل وشاركت في اتخاذ قرارات بشأن حقوق المرأة على هذا المستوى العالمي، بعد هذه الحركة استبعدت الأمم المتحدة الجمهورية الإسلامية من اللجنة، في خطوة غير مسبوقة في تاريخها، نأمل أن تُستبعد الجمهورية الإسلامية من لجان صنع القرار الأخرى في أقرب وقت ممكن، بما في ذلك لجنة منع الجريمة والعدالة القضائية، إن حكومة ترتكب جرائم واسعة النطاق لا مكان لها في دور صنع القرار الدولي وأسلوب عملها أشبه بحكومة مافيا.

على الرغم من أن الجمهورية الإسلامية تحاول الاستمرار من خلال الحفاظ على السلطة وملء جيوب حلفائها بدماء الشعب الإيراني، إلا أن الحقيقة هي أن هؤلاء الأفراد سيُحاسبون ويُعاقبون يوماً ما، نأمل أن تشهد المرأة الإيرانية قريباً المساواة الحقيقية والقوانين العادلة، وأن يتمكن جميع الإيرانيين من عيش حياة كريمة، خالية من الفقر وانتهاكات حقوق الإنسان، أرى هذا اليوم قريباً.