إيران والمنطقة على مفترق طرق... الهجمات الأخيرة والتحولات المحتملة

أكدت عضوة المنصة الديمقراطية العابرة للحدود للنساء، بسي شاماري، أن دور الشعب في إيران وشرق كردستان حاسم، فلا ينبغي أن يكون مجرد متفرج، بل يجب أن يمسك بزمام مصيره من خلال تعزيز التضامن وتوطيد شبكات الثقة ومنع الانهيار الاجتماعي.

شهلا محمدي

مركز الأخبار ـ في ظل استمرار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، انطلقت أمس السبت 28 شباط/فبراير، هجمات مشتركة نفذتها إسرائيل وواشنطن ضد الجمهورية الإسلامية، في خطوة أثار تزامنها مع مسار التفاوض موجة واسعة من التساؤلات وعلامات الاستفهام.

لمناقشة الأبعاد المختلفة للتطورات الأخيرة على الساحة السياسية الإقليمية، وتسليط الضوء على سبب بدء الهجمات على إيران تحديداً خلال المفاوضات الجارية، والأهداف والدوافع الكامنة وراء هذا القرار، فضلاً عن التداعيات المحتملة على المنطقة وإيران، أجرت وكالتنا مع بسي شاماري، عضوة المنصة الديمقراطية العابرة للحدود للنساء؛ الحوار التالي:

 

بدايةً ما الأسباب التي تقف وراء اندلاع هذه الهجمات في هذا التوقيت تحديداً، رغم أن المفاوضات كانت لا تزال مستمرة؟

استناداً إلى السياق التاريخي الذي أشرتم إليه، أن ما بدأ يوم السبت لا يمكن اعتباره حدثاً محصوراً بإيران وحدها، بل هو تطور قد يمتد أثره إلى عموم المنطقة. فهذه الحرب، خلافاً لما يحاول البعض تصويره، لم تكن مفاجئة أو بلا مقدمات، بل سبقتها إشارات واضحة ومؤشرات متراكمة.

منذ السابع من تشرين الأول، ومع خطاب بنيامين نتنياهو الذي تحدث فيه عن ضرورة إعادة تشكيل الشرق الأوسط، بدأت ملامح تحولات عميقة في موازين القوى بالظهور، وتسارعت هذه التحولات مع تراجع مراكز القوة التقليدية، وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، ثم اندلاع حرب الأيام الاثني عشر بين إيران وإسرائيل. جميع هذه التطورات تشكل حلقات مترابطة في مسار يظهر أن المنطقة دخلت مرحلة إعادة ترتيب شاملة، صعبة ومكلفة وجذرية.

في هذا السياق، لم يعد بإمكان المجتمع الإيراني أن يتخيل نفسه خارج التفاهمات أو الصفقات بين القوى المهيمنة. ولا سيما بعد أحداث الثامن والتاسع من كانون الثاني الدامية، ودخول الحكومة في مواجهة مباشرة مع الشعب وهو ما يصفه البعض بإعلان حرب على المجتمع؛ لم يعد النقاش يدور حول إصلاحات داخلية أو بدائل محدودة، بل أصبح متعلقاً بطبيعة بنية السلطة نفسها وإمكانية استمرارها.

اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، ينتظر من المجتمع الإيراني، ومن شرق كردستان بشكل خاص، أن يكون في حالة استعداد نفسي وفكري، خاصة في ضوء النقاشات العميقة التي شهدها الفضاءان العام والمدني خلال العامين الماضيين.

أما فيما يتعلق بالاجتماعات والاتفاقيات، فإن المفاوضات التي جرى الإعلان عنها مراراً تقوم من حيث المبدأ على الأخذ والعطاء وتبادل المصالح. إلا أن مسار الحكم، كما يبدو، انحاز إلى فرض شروطه بدل إدارة عملية انتقال أو إعادة توازن للسلطة بصورة تدريجية، وكما أشار دونالد ترامب عقب اجتماع جنيف الأخير، فإن ما كانت الولايات المتحدة تسعى إلى تحقيقه لم يتحقق بالكامل، ولم يكن هناك رضا تام عن النتائج.

بعبارة أخرى، يبدو أن مطالب الولايات المتحدة وحلفائها لم تحظَ بقبول كامل من قبل إيران، كما لا تزال طبيعة التنازلات المتبادلة خلف الأبواب المغلقة غير واضحة. غير أن المؤكد أن الهجمات التي انطلقت يوم السبت لا يمكن اختزالها في رد فعل عابر، بل ينبغي فهمها ضمن إطار أوسع يتعلق بإعادة تثبيت مصالح القوى الكبرى ورأس المال العالمي في المنطقة.

 

على الرغم من التصريحات المتكررة بشأن أهداف هذه الهجمات، يبقى التساؤل الأهم؛ هل ستؤدي هذه المرة إلى تغيير فعلي؟ وإذا كان لا بد من حدوث تغيير فكيف سيكون؟ هل سيكون مجرد تعديل في السياسات والأساليب، أم سيطال جوهر بنية السلطة نفسها؟

في ضوء التطورات الأخيرة، وخصوصاً ما يتعلق بالقضية السورية، يمكن وضع هذه الأحداث ضمن سياق أوسع. قبل نحو سبع سنوات، في إدلب، ظهر شخص كان يعرف سابقاً كإرهابي مطلوب دولياً، وقد رصدت مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار مقابل معلومات عنه، وهو أبو محمد الجولاني، الذي أصبح تدريجياً في موقع يسمح له بإدارة منطقة كاملة وفهم الآليات البيروقراطية والإدارية. وقد دلّ ذلك على وجود استعدادات مسبقة، بدءاً من المظهر واللهجة وصولاً إلى الانخراط في دور سياسي فعال. بهذه الطريقة، تسارعت عملية إعادة ترتيب النظام في سوريا، وتم تقديمه كرئيس مؤقت خلال فترة قصيرة.

لاحقاً، ظهرت أمثلة أخرى، مثل فنزويلا، حيث أجريت تغييرات في هيكل السلطة بالتعاون مع القوى الداخلية، بعد اختطاف نيكولاس مادورو وزوجته، دون إدخال قوة جديدة كلياً إلى الحكومة.

أما الحالة الإيرانية، فيبدو أنها تمزج بين هذين النموذجين. فقد كان الحديث عن التغيير في إيران مستمراً لسنوات طويلة. فمن خلال شعار "أصولي، إصلاحي، انتهى الأمر" تم التعبير عن نوع من الانتقال من ازدواجية السلطة الرسمية، إلا أن ما تلاه يمكن وصفه بظاهرة "الاستمرارية"، وهي اتجاه يحظى بدعم قوي من رأس المال والمصالح الاقتصادية. فالنظام، عبر الجمهورية الإسلامية، مارس على مدى 48 سنة الماضية استغلالاً سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً واسع النطاق في المنطقة.

في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل القمع والعنف الواسع ضد المتظاهرين في الشوارع؛ فالوعود الرسمية بالدعم، والإشارات إلى احتلال المباني في كانون الثاني، بالإضافة إلى إحصاءات مؤسسات مثل محكمة إيران وهيئات الرقابة من عشرات الآلاف من المعتقلين إلى عدد كبير من القتلى والجرحى؛ تظهر أن المجتمع تكبد تكاليف باهظة.

من منظور تحليلي، يمكن اعتبار هذه العملية بمثابة ترسيخ للوضع القائم، إذ أدت إلى تآكل سياسي واجتماعي وخلقت شعوراً بالخيبة، ووضع المجتمع في مأزق معقد. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل سيُرسم سيناريو لإعادة ترتيب السلطة داخل الحكومة، اعتماداً على دعم قوى رأس المال الخارجية؟ ولدى البعض، تعزز الأدلة والمؤشرات هذا الاحتمال.

في الوقت نفسه، ينبغي ملاحظة أننا نشهد نوعاً من "الحرب الهجينة"، حيث يمكن فهم استهداف الجمهورية الإسلامية ضمن هذا الإطار؛ مزيج من الضغط العسكري والإعلامي والنفسي، إلى جانب تحفيز الانقسامات العرقية والإقليمية. فبعد ساعات قليلة من الهجمات، تم توجيه رسائل إلى الكرد والبلوش والأتراك تدعوهم لاستغلال الظروف لإحداث تغيير.

ويبرز سؤال محوري: ألا تُعدّ هذه الإجراءات اختباراً للقوة؟ وهل تهدف الجهات الفاعلة الأجنبية إلى تقييم قدرة هذه القوى والقوميات على السيطرة على مناطقها؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل الهدف النهائي هو اختبار إمكانية إقامة نظام جديد من اختيارهم دون مواجهة عقبات داخلية كبيرة؟

بعبارة أخرى، ما يحدث اليوم ليس مجرد صراع عسكري، بل جزء من عملية إعادة تنظيم أوسع لموازين القوى الإقليمية والمحلية، وهي عملية لا تزال أبعادها قيد التشكل.

 

ذكرت رسالة وجهت إلى القوميات المضطهدة في إيران... ما هو وضع القوميات الأخرى في إيران في ظل هذه الظروف؟ وهل هناك بيئة اجتماعية وسياسية تمكنها من إقامة أي تحالف أو تقارب فيما بينها؟

برأيي، نحن اليوم أمام مفترق طرق تاريخي ولحظة فريدة لشعوب إيران؛ فرصة ذهبية قد تحدد مسار المستقبل. في هذا السياق، لا يكمن السؤال الأساسي في أي حكومة ستسقط أو أي هيكل سلطوي سيتنحى، بل في معرفة أي قوة هي الأكثر استعداداً لتولي المسؤولية. ويجب أن تكون هذه الاستعدادية محور اهتمام جميع الأطراف والمنظمات والمنصات، وكذلك الأفراد المتواجدين في الشوارع.

إذا بقيت القوميات الإيرانية المختلفة من العرب والبلوش إلى الأتراك والكرد متفرقة ومنقسمة، فإنها ستفقد فرصتها في لعب دور فاعل في تشكيل النظام السياسي المستقبلي، أما إذا تمكنت من التحرك كتحالف منسق ومترابط، مع برنامج واضح، فستتاح لها فرصة لتقديم بديل شعبي وجاد للسيناريوهات المعدة مسبقاً، سواء أكان ذلك لمواجهة إعادة إنتاج نظام قائم على نفس البنية بدعم من رأس المال، أو لتأسيس نظام جديد قائم على إرادة الشعب.

لتحقيق هذه الرؤية، من الضروري استثمار الفراغ القائم في الشرعية، وتحديد دور كل قومية في النظام المستقبلي، مع تجنب تكرار نمط المركزية. فالمكونات العربية والبلوشية والكردية تمتلك كل منها تنظيمات سياسية وخبرات يمكنها من خلالها لعب دور محوري، شرط تعزيز التماسك والتنظيم الداخلي.

تُعد تجربة الأمة الكردية مثالاً واضحاً؛ حركة استطاعت، رغم افتقارها لخلفية تاريخية رسمية، تأسيس لجان ومجالس، وتنظيم الشؤون الحضرية، وإدارة الأمن في فترة قصيرة. واليوم، تجاوزت هذه التجربة حدود إيران، ففي روج آفا، ركزت الحركة على بناء المؤسسات، والمشاركة الشعبية، والحكم الجماعي، وهو نموذج يمكن أن يكون ملهماً لمناطق أخرى.

كما أشرتم إلى إعلان ائتلاف الأحزاب الكردية الخمسة، الذي أثار ردود فعل قوية، بل ومعارضة من بعض الحركات وقادة المعارضة. ومع ذلك، شهد الإعلان دعماً وتوافقاً داخل إيران، بدءاً من الأحزاب البلوشية والعربية، ووصولاً إلى ترحيب شريحة من الرأي العام، ويعود ذلك إلى التماسك والتنظيم وسط الأزمات والتفاوتات الكبيرة.

في انتفاضة "Jin Jiyan Azadî"، تردد شعار "كردستان عيون إيران ونورها" في أكثر من 340 مدينة إيرانية، وهو شعار متجذر في التجارب الميدانية والسياسية لهذه المنطقة، وأثبت قدرة هذه الحركة على لعب دور ريادي في المجالات العسكرية والسياسية.

لم يمض وقت طويل على إعلان تشكيل الائتلاف الجديد، إلا أن هناك توقعات كبيرة بالالتزام بتعهداته ليس فقط تجاه شعب شرق كردستان، بل تجاه جميع أبناء الشعب الإيراني، مع التركيز على دعم الشعب الكردي. واستمرار هذا النهج، مع تعزيز التماسك الداخلي والالتزام ببرنامج واضح، سيعزز بلا شك مكانة الائتلاف في مسار الأحداث المستقبلية.

 

إلى جانب التداعيات الداخلية، ما مدى تأثير هذه الهجمات على توازن القوى واستقرار المنطقة الإقليمي؟

في عصر الحروب والأزمات، من المهم التأكيد على أن ما نشهده ليس حرباً شعبية، بل مواجهة بين قوى مهيمنة وأخرى تسعى لإعادة تشكيل التوازن الإقليمي. ومع ذلك، تصبح الحاجة إلى التحالفات السياسية وتشكيل المجالس واللجان الشعبية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

بعد ساعات قليلة من بدء الهجمات، اتسع نطاق الصراع ليشمل المستوى الإقليمي، إذ طالت الهجمات بعض المناطق ودول الخليج العربي، وما صاحبها من ردود فعل متبادلة نقل المعادلة من المستوى المحلي إلى الإقليمي. وأظهر البيان السريع للسعودية واستعدادها للتعاون ضمن تحالف دفاعي عربي إمكانية وضع ترتيبات أمنية جديدة. في الوقت نفسه، وقع هجوم على قوات الحشد الشعبي في العراق، ما يشير إلى محاولة إعادة ترسيخ توازن القوى ليس داخل إيران فقط، بل في المنطقة بأسرها.

في هذه الظروف، أي بنية سياسية محلية تفتقر إلى التماسك والشرعية الاجتماعية ستكون عرضة للخطر الشديد. لذلك، من الضروري التأكيد على أهمية هذه اللحظة التاريخية؛ يجب ألا يهجر الناس مدنهم ومناطقهم، ويصبح تشكيل المجالس المحلية والهيئات الشعبية ضرورة ملحة، سواء لبناء الثقة أو لتنظيم دفاع مشروع. ففي الساعات الأولى من الهجمات، استهدفت معظم المراكز العسكرية، خصوصاً في المناطق الحدودية، وما يجعل تنظيم المساحات ومنع الفوضى داخل المدن أمراً بالغ الأهمية إذا استمرت عمليات القصف.

لا شك أن نفوذ المؤسسات الحكومية قد تراجع، ومن المهم ألا يسمح هذا الفراغ بالتأثير سلبياً على الأحياء والمدن. تقع اليوم مسؤولية كبيرة على الشخصيات الاجتماعية البارزة، من المعلمين والناشطين الثقافيين إلى كبار السن والشخصيات المحلية الموثوقة. حتى أولئك الذين اضطروا للتعاون مع الحكومة لأسباب اقتصادية أو ضغوط أخرى، يمكنهم ما لم يرتكبوا جريمة، أن يلعبوا دوراً إيجابياً خلال هذه المرحلة الانتقالية من خلال الانخراط مع الشعب ودعم مطالبه.

في الوقت نفسه، يظهر تشكيل التحالفات في شرق كردستان وإعلان أحزاب الأهواز وسيستان وبلوشستان مواقفها، أن المناطق التي لطالما وصفت بـ "براميل بارود" تمتلك القدرة على التنظيم. كما يُعد ضعف المعارضة في بعض المناطق الأخرى والجهود المبذولة لبناء قيادة جزءاً من هذه المعادلة المعقدة. قد تكون هذه اللحظة نقطة تحول تاريخية؛ فكما حدث في العراق عام 1991، وبعد تطورات حرب الخليج وخطاب جورج بوش، تهيأت الظروف لتنظيم وإدارة المنطقة من قبل القوات الكردية المحلية.

اليوم أيضاً، وبعد تصريحات ترامب الأخيرة وأحداث يوم السبت التي سرعان ما اتخذت أبعاداً إقليمية، برزت فرصة تاريخية. هذه الفرصة موجهة بالدرجة الأولى إلى الشعوب التي عاشت سنوات تحت وطأة الأزمات والعنف، والتي لم تعد ترغب في استمرار الوضع الراهن. إن تشكيل منظمات ومجالس متنوعة، وتعزيز التضامن الاجتماعي، والاستعداد للدفاع المشروع، يوفّر الأساس لتمكين الشعب من لعب دور حقيقي وحاسم في مستقبله السياسي.

 

ما التداعيات المحتملة لهذه التطورات على تركيا، وكيف قد تستجيب أنقرة تجاهها؟

في الأيام الأخيرة، ركزت الرسائل الرسمية التركية بشكل رئيسي على إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة، ومحاولة منع توسع الهجمات ضد الجمهورية الإسلامية، أو على الأقل ضمان ألا تعرض مصالح تركيا وأمنها القومي للخطر.

إلا أن القضية الكردية تظل محور حساسية كبيرة في حسابات تركيا الداخلية والإقليمية. أي تغير في موازين القوى داخل إيران والمناطق الحدودية، خاصة إذا أدى إلى تعزيز موقف القوات الكردية، قد يثير توتراً إضافياً لدى أنقرة. وهنا يبرز السؤال: هل ستواصل تركيا احتواء هذه التطورات عبر الدبلوماسية، أم ستضطر إلى إعادة صياغة سياساتها الإقليمية إذ تغير ميزان القوى؟

لتوضيح السياق، يجب العودة إلى البعد التاريخي؛ فترة تشكّل "الدول القومية" في المنطقة، التي فرضت تفاوتاً في القوة والسيادة. من بين الهياكل التي تشكلت قبل نحو قرن، لم يتبق اليوم سوى فاعلين رئيسيين: تركيا وإيران، بعد أن واجهت معظم الدول الأخرى انهياراً جزئيا أو ضعفاً في سيادتها المركزية.

لفهم الوضع التركي الحالي، علينا مراجعة أربعة إلى خمسة عقود مضت، إلى مشروع "الحزام الأخضر" وتعزيز الإسلام السياسي، الذي بدأ في أفغانستان وترسخ لاحقاً في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وكان الإسلام السياسي الشيعي أحد أوراق القوة الإقليمية، بينما لعب الإسلام السياسي السني دوراً تكميلياً. صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا يمكن فهمه ضمن هذا السياق، حيث يكمل التياران بعضهما البعض في النظام الإقليمي، رغم التنافس الظاهر بينهما.

خلال العامين الماضيين، برز نوع من القلق الاستراتيجي في السياسة التركية، خاصة بعد أحداث 7 تشرين الأول وتصريحات عبد الله أوجلان حول عملية السلام، والتي مضى عليها أكثر من عام. تُظهر هذه التطورات أن النظام القومي التقليدي في المنطقة يواجه تحديات حقيقية، وأن أي تغيير جوهري في إيران قد يقترب من حدود تركيا ويؤثر مباشرة على استقرارها.

إلى جانب ذلك، تظل الأوضاع في العراق هشة، فبعد الانتخابات الأخيرة لا يزال تشكيل حكومة مستقرّة تحدياً، فيما تشير الهجمات على قوات الحشد الشعبي ومطار هولير إلى محاولات لإعادة تعريف موازين القوى في إطار نظام جديد يتداول حوله منذ سنوات.

في هذا المنعطف التاريخي، يبرز دور التحالفات، لا سيما التقارب الأخير بين الأحزاب الكردية، كدليل على النضج السياسي وفهم اللحظة التاريخية. التجارب أثبتت أنه دون تنظيم، تقسيم مسؤوليات، وبناء مؤسسات، لن يُملأ أي فراغ بما يخدم مصالح الشعب. التحالف المنظم قادر على تحويل المطالب الشعبية إلى بنية، والبنية إلى قوة فعلية.

بالإضافة إلى ذلك، دور الشعب حاسم. لا ينبغي أن يكون مجرد متفرج، بل لا بد له من التحكم بمصيره: الحفاظ على الذات، تعزيز التضامن المحلي، توطيد شبكات الثقة، ومنع الانهيار الاجتماعي، هي الأسس لأي مستقبل يُبنى على أنقاض الأزمة. الوحدة الوطنية بين القوى المحبة للحرية شرط أساسي لكسر حلقة الاستبداد التاريخية، إذ بدونها قد يؤدي ضعف السلطة إلى الفوضى، وبوجودها يمكن أن تتحول هذه اللحظة إلى نقطة انطلاق لنظام جديد.

وأخيراً، لا يمكن إغفال دور النساء والشباب؛ جيل أطلق شعارات "المرأة، الحياة، الحرية" على مدى السنوات الثلاث الماضية، وهم اليوم رأس المال الأخلاقي والسياسي للأمة. هؤلاء الذين دفعوا ثمن المقاومة وشهدوا القمع، يمثلون القوة المستدامة لبناء مستقبل عادل ومستقر، وحملوا خطاب الحرية في قلبهم.