إيران بعد خامنئي... مرحلة انتقالية تلوح في الأفق وأزمة سلطة تتفاقم
أكدت الناشطة سوزان راخش، أن مقتل مرشد الجمهورية الإسلامية أدى إلى انهيار هيكل السلطة في إيران وظهور خلافات داخلية حادة حيث بات المشهد السياسي مفتوحاً على تساؤلات جوهرية، تتعلق بالجهة القادرة على ملء الفراغ الذي خلّفه التيار المرتبط بخامنئي.
شهلا محمدي
مركز الأخبار ـ شهدت إيران منذ السبت 28 شباط/فبراير تصعيداً غير مسبوق، مع انطلاق الهجمات الأمريكية ‑ الإسرائيلية المشتركة التي استهدفت مواقع قيادية وعسكرية داخل البلاد، وأسفرت الضربة الأولى وفق ما أعلنته مصادر أمريكية وإسرائيلية، عن مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي، إلى جانب عدد من كبار القادة.
أكد مسؤولون في واشنطن وتل أبيب خلال الأيام الماضية أن العمليات العسكرية التي تشن على إيران تهدف إلى إحداث تغيير جذري في بنية النظام الإيراني، وفي ظل غياب القيادة التقليدية لطهران بعد مقتل خامنئي والمقربين منه، يبرز سؤال محوري حول مستقبل المشهد السياسي في إيران، والجهات التي قد تتولى إدارة المرحلة المقبلة في ظل حالة الغموض والاضطراب التي تعيشها البلاد وحول هذا الموضوع كان لنا الحوار التالي مع عالمة الاجتماع والناشطة النسوية سوزان راخش.
كيف يُعقل أن يُستهدف رئيس إيران ويُقتل في أولى الهجمات على طهران، التي يُفترض أنها أكثر الأماكن أماناً؟ بالنظر إلى تاريخ التهديدات وتجربة حرب الأيام الاثني عشر التي قُتل خلالها عدد من القادة، لماذا لم تُتخذ تدابير وقائية فعّالة لمنع وقوع مثل هذا الحدث؟
نشرت صحيفة واشنطن بوست اليوم مقالاً يفيد بأن تحركات علي خامنئي تخضع للمراقبة منذ فترة وقد صرّحت إسرائيل مراراً وتكراراً بأن لها نفوذاً ومعلومات استخباراتية في صفوف القيادة، وهذا يدل على أن أمن قائد الجمهورية الإسلامية، وخاصة داخل البلاد، لم يكن مستقراً، تتعاون مجموعة كبيرة داخل الحرس الثوري مع إسرائيل، ورداً على رسالة ترامب أعلن الكثيرون أنهم غير مستعدين لمحاربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
لم يكن خامنئي في مأمن تام، فقد كان يُعتقد سابقاً أنه مختبئ لكن تبيّن أنه كان في مقر إقامة المرشد الأعلى، حيث استُهدف، وفي الهجوم قُتل صهره وزوجته، ولا يزال العدد الإجمالي للقتلى مجهولاً، كانت الخسائر فادحة ودُمر مقر إقامة المرشد الأعلى تدميراً شبه كامل.
استهدف الهجوم الموقع المحدد لاجتماع بين قادة الجيش والحرس الثوري الإيراني، من المحتمل أن يكون محمد باقر قاليباف وعلي لاريجاني حاضرين أيضاً في الاجتماع، لكن لم ترد أنباء بعد عن إصاباتهما.
ما مدى جدية خطاب محمد باقر قاليباف التصعيدي بعد اغتيال خامنئي، وكيف قد ينعكس على المشهدين السياسي والاجتماعي في إيران؟ وهل يشير ذلك إلى تشدد أيديولوجي أم احتمال تغييرات في السياسات؟
الخلافات داخل نظام الجمهورية الإسلامية واسعة النطاق، وقد نجح خامنئي حتى الآن في الحفاظ على وحدتها، لكن الوضع تغير الآن، فعلى سبيل المثال لا يُمثّل محمد باقر قاليباف في مجلس القيادة الثلاثي بينما كان يتوقع أن تكون الفروع الثلاثة متحدة، وهذه المسألة بحد ذاتها تثير تساؤلات كبيرة، كما أن اختيار رجل دين بدلاً من محمد باقر قاليباف يشير إلى الضعف وعدم الاستقرار الحاليين في بنية السلطة.
تمتلك إيران قوة صاروخية كبيرة، لكنها ضعيفة في المجالين الجوي والبحري، ولا تستطيع تحقيق نصر حاسم في ظل هذه الظروف، بل إنها في الواقع ليست منتصرة، وموقفها هش، في الوقت نفسه دعا ترامب الشعب للنزول إلى الشوارع والمطالبة بالتغيير في إشارة إلى الضغط الداخلي والدولي على النظام.
انتشرت شائعات مفادها أنه بعد وفاة خامنئي، سيتولى السلطة أشخاصٌ متفقون معه، وإذا كان مجتبى خامنئي على قيد الحياة فمن المرجح أن يخلفه، وربما يلعب دوراً خفياً، كما أن غياب محمد باقر قاليباف عن الجماعة يثير الشكوك، من جهة أخرى يُعدّ رضا عرفي شخصية متطرفة، مما يُشير إلى احتمال محاولة الحفاظ على نهج متطرف، في المقابل يواجه الإصلاحيون الراغبون في التغيير أو الإطاحة ضغوطاً ومن غير المرجح أن يصلوا إلى السلطة، أما مسعود بزشكيان فليس له أي نفوذ يُذكر ويبقى دوره رمزياً، هناك شخصان آخران في السلطة لمواصلة سياسات خامنئي، وسنرى كيف سيكون أداؤهما في الأيام المقبلة.
في ظل دعوة ترامب للشعب الإيراني لإنهاء الجمهورية الإسلامية، ومع غياب معارضة خارجية فعّالة ووجود جماعات ناشطة في شرق كردستان، إلى أي مدى يمتلك الشارع الإيراني أو هذه التنظيمات القدرة الحقيقية على التأثير في مسار الأحداث وتشكيل بديل سياسي للنظام القائم؟
لدينا تجارب العراق وليبيا وأفغانستان، ورغم اختلاف البنية الداخلية والجغرافيا، إلا أن هناك قاسماً مشتركاً واضحاً، الفوضى قد تؤدي إلى دمار أي بلد وإلحاق أضرار جسيمة به، في العراق رأينا أنه بعد سقوط الرئيس الأسبق صدام حسين، لم يتحسن الوضع بل ازداد تعقيداً، لكننا نعلم أن بين أصدقائنا في السجن، توجد جماعات مختلفة من الملكيين إلى الإصلاحيين الراديكاليين، تؤمن بإسقاط النظام وقد أعلنت وجودها رسمياً، وهذا أمر إيجابي ويستحق الدعم.
تواجه القوى الخارجية صعوبة في لعب دور مباشر في تولّي السلطة داخل إيران، سواء التيارات الملكية أو الجمهورية، نظراً لغياب قاعدة شعبية واسعة لها داخل البلاد، وضعف حضورها بين القوميات غير الفارسية والمناطق الهامشية. وفي هذا السياق أعلن المجلس الاستراتيجي للجمهوريين في إيران أمس عن تأسيسه، موضحاً أن هدفه إنشاء حكومة لا مركزية قد تمهد لقيام نظام فيدرالي، ويضم المجلس أعضاء من خلفيات قومية متعددة بينهم أتراك وكرد وفرس وغيرهم، بعضهم من المعتقلين في سجن إيفين الذين عقدوا اجتماعاً مشتركاً توصّلوا خلاله إلى اتفاق، وأعلنوا هويتهم داخل السجن وخارجه، مع حصولهم على دعم دولي، كما أشار الإعلان إلى اختيار امرأة متحدثة باسم المجلس، من دون الكشف عن هويتها.
في المقابل، يمرّ النظام الإيراني بمرحلة شديدة التعقيد، إذ تراجعت سلطة القيادة بشكل ملحوظ وتزايدت الانقسامات داخل الحرس الثوري، خصوصاً بعد وفاة المرشد علي خامنئي، ومع استمرار القصف داخل البلاد، تبدو قدرة النظام على استعادة نفوذه السابق محدودة.