ندوة إقليمية تناقش دور المرأة في بناء الأمن والسلام في مناطق النزاع
أكدت مشاركات في ندوة إقليمية بعنوان "النساء في مواجهة الزعزعة الأمنية: من الحماية الذاتية إلى أجندة الأمن والسلام الشامل"، أن النساء لم يعدن مجرد ضحايا للنزاعات، بل أصبحن فاعلات أساسيات في إعادة بناء المجتمعات وصياغة مفاهيم جديدة للأمن.
مركز الأخبار ـ أجمعت ناشطات وحقوقيات وسياسيات ومقاتلات من خلال ندوة رقمية على أن السلام الحقيقي أينما كان لا يمكن أن يتحقق دون النساء.
نظّم التحالف النسائي الديمقراطي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا "ندى"، مساء أمس السبت 23 أيار/مايو، ندوة رقمية عبر منصة "زووم"، بمشاركة ناشطات من سوريا واليمن والجزائر، لبحث دور النساء في مواجهة التهديدات الأمنية وتعزيز جهود السلام.
وافتتحت الناشطة السياسية العراقية دينا الطائي الجلسة، مؤكدة أن النساء في مناطق النزاع لا يواجهن العنف المباشر فحسب، بل يتحملن أيضاً تداعيات الانهيار الاجتماعي والاقتصادي، ما يجعل مشاركتهن في صياغة سياسات الأمن والسلام ضرورة أساسية.
وأوضحت أنه "لطالما قُدّمت النساء في الحروب كضحايا فقط، وهذا توصيف منقوص. فالنساء صانعات مقاومة، وسيطات سلام، حافظات للذاكرة، ومنظمات للمجتمع، وبانيات للبدائل حين تنهار الدولة أو تتوحش السلطة أو تهيمن الجماعات المسلحة".
ولفتت إلى أن الهدف من الندوة تحليل مفهوم الأمن التقليدي، والانتقال من "حماية النساء" إلى واقع ودور النساء ومشاركتهن في صنع القرار والعدالة الانتقالية.
YPJ مشروع تحرر يعيد صياغة دور النساء في الأمن والسلام
وفي المحور السوري، استعرضت لانا حسين، عضوة المنسقية العسكرية لوحدات حماية المرأة (YPJ)، تجربة النساء في روج آفا، مشيرة إلى الدور الذي لعبته المقاتلات في حماية المجتمعات المحلية والتصدي للهجمات المسلحة، مؤكدةً أن مفهوم الحماية الذاتية يتجاوز الجانب العسكري، ليشمل مشروعاً مجتمعياً يهدف إلى تمكين النساء وبناء مؤسسات مدنية تشاركية.
ولفتت إلى أن المقاتلات لم يحمين فقط الأحياء والقرى من الهجمات المسلحة، بل حمين فكرة الحياة نفسها، وفتحن الباب أمام نموذج جديد تتصدر فيه المرأة موقع القرار والدفاع والتنظيم "عندما نتحدث اليوم عن الأمن والسلام في الشرق الأوسط، غالباً ما تختزل المرأة في صورة الضحية أو الفئة التي تحتاج إلى حماية. لكن تجربتنا في روج آفا قلبت هذا المنطق رأساً على عقب".
وأشارت إلى أن النساء كنّ في قلب الحرب، وأن داعش استخدم أشنع أشكال الإرهاب ضدهن عبر السبي والقتل والاتجار ومحاولة سحق إرادة المرأة وهويتها "كان الهدف واضحاً؛ كسر المجتمع من خلال كسر إرادة النساء. وفي تلك اللحظة لم نسأل هل يجب أن تدافع المرأة عن نفسها؟ بل سألنا كيف يمكن للمجتمع أن يبقى حياً إذا بقيت المرأة بلا حماية وبلا إرادة وبلا صوت؟".
ومن هنا كما تقول لانا حسين فإن وحدات حماية المرأة وُلدت لا كقوة عسكرية طارئة، بل كـ "إعلان سياسي وأخلاقي" بأن النساء قادرات على حماية أنفسهن ومجتمعهن وقيم الإنسانية في مواجهة أكثر أشكال الإرهاب وحشية.
واستذكرت كيف وقفت المقاتلات في الخطوط الأمامية في كوباني والرقة ودير الزور، مشيرةً إلى أن المواجهة لم تكن دفاعاً عن جغرافيا فقط، بل دفاعاً عن حق النساء في الحرية والكرامة، وعن حق المجتمعات في التحرر من الخوف والتطرف. ورغم آلاف التضحيات، ترى لانا حسين أن الإنجاز الأكبر كان كسر الصورة النمطية التي حاصرت المرأة لعقود.
وأكدت على أن التجربة تجاوزت حدود سوريا، لأنها "أعادت تعريف العلاقة بين المرأة والأمن والسلم، لكنها في الوقت نفسه كشفت أن الانتصار العسكري وحده غير كافٍ، لأن التطرف يعيش أيضاً في الذهنية والثقافة والأنظمة التي تستبعد النساء من القرار".
وحذرت من تحديات جديدة تحاول إعادة النساء إلى الهامش، أو اختزال دورهن خلال المرحلة الانتقالية في سوريا، مشيرةً إلى وجود تحفظات سياسية تجاه خصوصية تجربة وحدات حماية المرأة، ورفض لفكرة وجود هيكلية نسائية مستقلة داخل مؤسسات الدفاع "هذا التحفظ لا يتعلق بتنظيم عسكري، بل يعكس مشكلة أعمق، عدم تقبّل المرأة كشريك فعلي في الأمن والدفاع وصناعة القرار".
وشددت لانا حسين على أن أي محاولة لحل هذه التجربة دون ضمانات حقوقية واضحة ستؤدي إلى إضعاف دور النساء وإعادة إنتاج العقلية الذكورية داخل مؤسسات الأمن، مشددةً على أن أي عملية إصلاح أمني أو إعادة هيكلة عسكرية في سوريا يجب أن تقوم على مبدأ الشراكة الحقيقية "السلام الذي يُبنى دون النساء يبقى سلاماً هشاً وقابلاً للانهيار".
إقصاء النساء يعيد إنتاج الاستبداد
بدورها، شددت أمينة أوسي، منسقة لجنة العلاقات والاتفاقيات السياسية الديمقراطية في مؤتمر ستار، على أهمية مشاركة النساء في صياغة الاتفاقيات السياسية، معتبرة أن تغييب النساء عن طاولات التفاوض لا ينتج سوى حلول هشة، قصيرة العمر، ولا تعبر عن احتياجات المجتمع.
وأكدت أن مشاركة النساء شرط أساسي لبناء اتفاقات سياسية عادلة، مشيرةً إلى أن عضوات مؤتمر ستار استطعن منذ عام 2011 بناء شبكة واسعة من التحالفات مع منظمات نسائية ومدنية داخل سوريا وخارجها، موضحة أن التراكم التنظيمي جعل من المؤتمر قوة نسائية محورية أسهمت في تأسيس منصات تضم مختلف المكونات.
ورغم هذا التقدم، تقول أمينة أوسي إن النساء يواجهن اليوم تحديات خطيرة أبرزها "العقلية الراديكالية المتطرفة" التي تنكر وجود المرأة ومؤسساتها، وتعمل على تقويض مكتسبات 14 عاماً، معتبرةً أن هذه العقلية تهدد المجتمع السوري كله لأنها تعيد إنتاج الاستبداد وتقصي النساء من مواقع القرار السياسي والإداري والعسكري، وتفرض وصاية باسم الدين والتقاليد.
وأكدت على أن سوريا تحتاج إلى عقد اجتماعي جديد ينبذ التطرف والاستبداد، ويضمن مشاركة النساء بنسبة 50% في كل المؤسسات ولهذا "بدأ مؤتمر ستار منذ استلام الحكومة المؤقتة مهامها، بعقد لقاءات مع نساء من مختلف المكونات لصياغة وثيقة حقوق المرأة في سوريا المستقبل، والعمل على تعديل القوانين التمييزية، وعلى رأسها قانون الأحوال الشخصية".
وتعمل الحملات النسائية، بدعم من منظمات سورية وإقليمية ودولية، على تشكيل ضغط حقيقي لفرض وجود النساء في لجان صياغة القوانين والمؤسسات الجديدة، ولحماية المكتسبات التي تحققت مثل الرئاسة المشتركة والمناصفة.
وانتقدت أمينة أوسي الاكتفاء بنظام "الكوتا" بنسبة 25%، معتبرة أنه تراجع خطير يشبه ما حدث في التجربة العراقية، حيث أدى القبول بنسبة منخفضة إلى خسارة مكتسبات كبيرة، مؤكدةً أن المناصفة الكاملة هي الضمان الوحيد لعدم إعادة إنتاج التهميش.
ووجهت رسالة تضامن ونضال مشترك إلى الحركات النسوية في العراق ولبنان واليمن والسودان والجزائر، مؤكدة أن نساء الشرق الأوسط كلهن يواجهن التحديات ذاتها: الحروب، الفوضى، التطرف، وانهيار المؤسسات، داعية إلى بناء تحالفات نسائية استراتيجية عابرة للحدود.
رحلة النساء اليمنيات في زمن الصراع
ومن اليمن، قدمت بهية السقاف، رئيسة منظمة PASS، عرضاً حول أوضاع النساء في ظل الحرب، موضحة أن اليمنيات يواجهن أشكالاً متعددة من العنف والانتهاكات، إلى جانب انهيار الخدمات الأساسية، لافتةً إلى أنه رغم ذلك لعبت النساء دوراً محورياً في الوساطات المحلية، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، وبناء شبكات حماية مجتمعية، مشيرةً إلى أن التجربة السورية الملهمة تُشبه إلى حد كبير ما تواجهه النساء في اليمن، لأن السلطات الذكورية ما تزال تتحكم بفضاء المنطقة، وتعيد إنتاج الإقصاء رغم كل نضالات النساء.
وأوضحت أن الحوار الوطني كان لحظة مفصلية أتاحت للنساء الحصول على كوتا بنسبة 30% في مواقع صنع القرار، لكن مع اندلاع الحرب، تم إسقاط هذه المكاسب بالكامل، وعادت النساء إلى نقطة الصفر. فاليمن، رغم وحدته القومية، غرق في انقسامات مناطقية حادة، وتفككت الدولة، وتحولت النساء إلى أكبر ضحايا هذا الانهيار.
وأكدت على أن اليمنيات لم يحملن السلاح، لكنهن حملن المجتمع على أكتافهن. فبينما انهارت مؤسسات الحكومة، شكلت النساء خطوط حماية غير معلنة حيث خففن التوترات، قُدن وساطات محلية، فتحن طرقاً آمنة، وأمنّ وصول المساعدات.
لكن كلما توسع حضور النساء في المجال العام، تصاعدت ضدهن حملات التهديد والتشهير والاعتقال التعسفي. كثيرات فقدن وظائفهن، وبعضهن فقدن حياتهن نتيجة التحريض على حد قولها، مشيرة إلى أن "سقف الحماية القانونية شبه معدوم، وأصبحت النساء عرضة للابتزاز والتشهير".
ولفتت إلى أن الحرب لم تدمر مؤسسات الدولة فحسب، بل "قوضت المنظومة الأخلاقية للمجتمع"، ما جعل النساء أكثر عرضة للعنف والانتهاكات. فالفقر والجوع وتدخل القوى الإقليمية والدولية أدت إلى انهيار القيم التي كانت توفر حماية اجتماعية للنساء، فيما تُعتقل كثيرات بتهم ملفقة مثل "التخابر" و"التجسس" فقط لأنهن قدمن خدمات للمجتمع خلال الحرب.
وترى بهية السقاف أن ردة الفعل الذكورية على صعود النساء أصبحت أشد عنفاً، خصوصاً مع سيطرة سلطات دينية متشددة على مناطق واسعة من اليمن، ما ينذر بمزيد من الإقصاء، منتقدة الفجوة الكبيرة بين التزامات اليمن الدولية في إطار أجندة المرأة والسلام والأمن، وبين الواقع الذي يشهد غياباً شبه كامل لتمكين النساء أو حمايتهن، مشيرةً إلى أن الخطة الوطنية للقرار 1325 طبقت بشكل محدود ومليء بالأخطاء.
وأوضحت أن "القطاع الأمني، الذي كان يضم نساء مؤهلات، تم تفريغه بعد الحرب، إذ تم استبدال القيادات الأمنية بعناصر غير مؤهلة، بعضها من تجار المخدرات والمتحرشين، ما زاد من هشاشة وضع النساء".
وأشارت بهية السقاف إلى أن قضايا النساء في اليمن بقيت خارج حسابات الأطراف المتصارعة، محلياً وإقليمياً ودولياً، وأن النساء يناضلن اليوم من أجل هدف واحد ألا وهو شراكة حقيقية في بناء سلام مستدام، ومشاركة فعلية في إعادة اليمن إلى مساره الطبيعي.
مقاومة منسية وذاكرة يجب توثيقها
أما شريفة خضار، رئيسة منظمة "جزائرنا لضحايا الإرهاب الإسلامي"، فتحدثت عن تجربة النساء خلال "العشرية السوداء" في الجزائر، مؤكدة أن النساء كنّ من أبرز المستهدفين بالعنف، لكنهن أسهمن أيضاً في الحفاظ على تماسك المجتمع خلال تلك المرحلة.
ورغم هذا الاستهداف المباشر، لعبت النساء دوراً أساسياً في الحفاظ على تماسك المجتمع كما أوضحت، فقد واصلن العمل، وحافظن على سير المدارس والعيادات، ورفضن الخضوع لقيود الجماعات المتطرفة التي حاولت منعهن من الدراسة والعمل وفرض الحجاب بالقوة، كما أسهمن في إنشاء جمعيات مدنية لدعم أسر الضحايا، مثل جمعية "جزائرنا" و"نساء في محنة"، وكنّ في طليعة المقاومة المدنية.
وأشارت إلى أن الخطاب الرسمي بعد انتهاء الصراع همش دور النساء، رغم أنه كان محورياً في حماية البلاد، منتقدة استمرار القوانين التمييزية، مؤكدة أن نظام الحصص الذي رفع نسبة النساء في البرلمان عام 2012 لم يمنحهن سلطة فعلية، لأن القرار بقي بيد النخب الذكورية داخل الأحزاب.
وترى أنه كلما طالبت النساء بحقوقهن، يُعاد توجيه النقاش نحو "أولويات الدولة" و"الاستقرار"، ما يؤدي إلى إقصاء أصواتهن من عمليات صنع القرار، داعية إلى توثيق تجارب النساء خلال الحروب باعتبارها جزءاً من الذاكرة الجماعية، وإلى إصلاحات قانونية جذرية تضمن المساواة الفعلية، إضافة إلى إنشاء هيئة مستقلة لمراقبة تطبيق القوانين المتعلقة بحقوق المرأة، لأن المشكلة ليست في النصوص بل في التنفيذ.
وخلصت الندوة التي نظمها التحالف النسائي الديمقراطي "ندى"، إلى أن الأمن الحقيقي لا يمكن أن يتحقق من دون مشاركة النساء في صناعة السلام والقرار السياسي.