استمرار قتل النساء في إقليم كردستان يثير تساؤلات حول فاعلية القوانين

أكدت تانيا طاهر، أستاذة القانون في جامعة السليمانية، أن الأرقام المتداولة حول تصاعد جرائم قتل النساء وفقدانهن في إقليم كردستان، تكشف عن أزمة اجتماعية وسياسية عميقة تتجاوز حدود القوانين والمؤسسات.

هيلين أحمد

السليمانية ـ رغم وجود مؤسسات وقوانين خاصة بمكافحة العنف ضد النساء، تُظهر إحصاءات الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام في إقليم كردستان أن ظاهرة قتل النساء وفقدانهن ما تزال مستمرة.

وفقاً للبيانات المجمعة، قُتلت 10 نساء وفُقدت 12 امرأة بشكل مشبوه خلال الفترة بين كانون الثاني/يناير وحتى نهاية نيسان/أبريل من هذا العام، وفي نيسان وحده سُجلت 3 حالات قتل وحالتا فقدان، وسط تأكيد ناشطات في مجال حقوق المرأة أن كثيراً من الحالات لا يتم الإبلاغ عنها أو لا تُجرى بشأنها تحقيقات كافية بسبب الضغوط العائلية والاجتماعية.

بحسب إحصاءات وكالتنا للجرائم التي ارتكبت بحق نساء إقليم كردستان فإن الجرائم توزعت كما يلي:

خلال شهر كانون الثاني/يناير فُقدت أو قُتلت 8 نساء بشكل مشبوه.

أما شهر شباط/فبراير فكان أكثر تفصيلاً ففي الأول منه نُقلت امرأة يتراوح عمرها بين 18 و20 عاماً إلى مستشفى الطوارئ في رانية، لكن بحسب الأطباء كانت قد فارقت الحياة قبل وصولها إلى المستشفى، حيث تبيّن وجود آثار رصاصة في رأسها.

وبعد يوم فقط في قضاء دربنديخان التابع لمحافظة السليمانية، لقيت شابة تبلغ من العمر 35 عاماً، مصرعها بعد سقوطها بشكل مشبوه في نهر سيروان، ولم يمر اليوم الثالث من الشهر بسلام ففي قرية تاسلوجة التابعة لقضاء سيد صادق بمحافظة السليمانية، قُتلت شابة على يد شقيقها بإطلاق النار عليها.

وفي 26 شباط/فبراير في حادث غامض في قضاء خباط، سقطت امرأة من فوق الجسر القديم وتوفيت متأثرة بإصابتها، فيما أفاد شهود عيان بوقوع شجار قبل الحادث بين المرأة وشخص كان داخل سيارة أجرة.

لم يشهد شهر آذار/مارس أي جرائم لكن مع بداية نيسان/أبريل قُتلت امرأة تبلغ من العمر 35 عاماً تُدعى "ر.ج" قرب منزل والدها في مجمع سكني تابع لبلدة شُرش، على يد شقيقين بإطلاق النار عليها، وبعد ذلك بيوم في قضاء سيد صادق، قُتلت امرأة بالرصاص وأصيبت امرأة أخرى بجروح، وفي اليوم نفسه عُثر على جثة امرأة في منطقة زيي كورە ضمن حدود قضاء خبات.

وبعد نحو أسبوعين، توفيت امرأة من منطقة سنكَسر تُدعى هزان رسول بعد اشتعال موقد داخل منزلها، في حادثة ما تزال ملابساتها الحقيقية غير واضحة حتى الآن، وفي 20 نيسان/أبريل، لقيت امرأة تبلغ من العمر 30 عاماً مصرعها بشكل مشبوه في مدينة أربيل، كما عُثر في نهاية الشهر على جثة امرأة أخرى في قرية سربیر بردى.

أما في أيار/مايو وفي اليوم التاسع عشر منه تحديداً عُثر على ثلاث جثث لنساء متوفيات بشكل وحشي في كركوك، وفي 23 من الشهر، لقيت طفلة تبلغ من العمر 13 عاماً في قضاء سيد صادق مصرعها، بعد أن أصابتها رصاصة في الرأس بشكل مشبوه، وتوفيت في الليلة الماضية متأثرة بإصابتها.

وفي الوقت الذي تُعرض فيه هذه الأرقام باعتبارها إحصاءات رسمية أو مسجلة، من المرجح أن العدد الحقيقي قد يكون أعلى من ذلك، إذ تُسجّل بعض الحالات على أنها انتحار أو حادث غير واضح أو وفاة مشبوهة، دون الكشف الكامل عن الأسباب الحقيقية للرأي العام.

ويؤكد خبراء قانونيون أن جمع الأدلة وحماية الشهود لا يتم بالشكل الكافي في كثير من الحالات، ما يؤدي إلى إغلاق بعض القضايا دون نتائج واضحة، كما أن إقليم كردستان اعتمد عام 2011 قانون مكافحة العنف الأسري، إلا أن الناشطين والناشطات يؤكدون أن المشكلة لا تقتصر على الجانب القانوني فقط، بل إن العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ما تزال تلعب دوراً رئيسياً في استمرار العنف ضد النساء.

كما تُعدّ قلة مراكز الإيواء، وضعف الدعم النفسي والقانوني للضحايا، والتأخر في معالجة بعض القضايا من أبرز العوائق، وتشير الإحصاءات المجمعة إلى أن 51 امرأة قُتلن أو فُقدن بشكل مشبوه خلال العام الماضي في مدن ومناطق مختلفة من إقليم كردستان.

 

"إحياء قرارات العشائر والقبائل في المنطقة أدى إلى زيادة قتل النساء"

تعليقاً على الموضوع تقول تانيا طاهر، أستاذة القانون في كلية العلوم الإنسانية بجامعة السليمانية، أن نساء إقليم كردستان، وبفضل جهودهن ونضالهن، تمكنّ إلى حدّ ما من تحقيق نجاحات في الوصول إلى أهدافهن، لكن الأرقام المتداولة عبر وسائل الإعلام تُحدث صدمة نفسية وفكرية لدى المجتمع، وتكشف عن وجود فجوة كبيرة على المستوى الفكري والاجتماعي والسياسي في المنطقة.

وأضافت أن الثقافة السياسية والاجتماعية السائدة أصبحت سبباً في استمرار قتل النساء، حيث يتم تبرير هذه الجرائم تحت مسمى الشرف أو حماية الأسرة، وهو ما يجعل من الضروري أن تتخذ المؤسسات والقوانين والجهات السياسية المعنية موقفاً جاداً لتحسين أوضاع النساء، والحد من جرائم القتل المرتكبة تحت ذريعة الشرف.

وشددت على ضرورة تحرك المؤسسات الحكومية التي تمتلك كامل صلاحيات الإدارة في المنطقة، مؤكدةً أن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب موقفاً حازماً وجدياً.

كما أشارت إلى وجود مشكلات قانونية، خصوصاً في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، ولا سيما المادة 409 التي تتناول ما يُعرف بجرائم الشرف أو الزنا الزوجي، حيث غالباً ما تُخفف العقوبات أو تُمنح مبررات قانونية تؤدي إلى تقليل العقوبة، بحيث لا تتجاوز أحياناً ثلاث سنوات، وهو ما يضعف العدالة ويُبعد الجناة عن العقاب الحقيقي.

وفيما يتعلق بالجانب القانوني، أشارت إلى أن بعض مواد القانون تُستخدم أحياناً لتخفيف العقوبة على الجناة أو إيجاد ثغرات قانونية تُفضي إلى تقليل مدة العقوبة، ما يؤدي في بعض الحالات إلى إبعاد المجرمين عن العقاب الحقيقي، حيث لا تتجاوز العقوبة في بعض النصوص ثلاث سنوات.

وأضافت أنه في إقليم كردستان، تم عام 2002 إلغاء القانون رقم 5 الذي كان يسمح بعدم محاسبة جرائم قتل النساء تحت مسمى الشرف وفقاً للقانون العراقي، كما يوجد في المنطقة قانون لمكافحة العنف الأسري، ورغم ذلك، ترى أن هذه القوانين، رغم كونها جيدة في وقتها وتضمنت العديد من المواد الإيجابية التي استفادت منها الأسرة، إلا أن التحدي لا يزال قائماً في التطبيق الفعلي.

وأشارت كذلك إلى أن هناك توجهاً سياسياً لإعادة إبراز دور العشائر والقبائل، معتبرةً أن هذا التوجه أدى إلى زيادة تأثيرها في المجتمع، حيث يتم التعامل مع النساء أحياناً كأداة أو وسيلة لحماية "الشرف" و"الكرامة" العائلية، في حين أن كرامة الإنسان وحقوقه مرتبطة بالفرد نفسه وتمارس عبر حريته وحقوقه.

وأكدت أن إعادة إحياء البنية القبلية تمثل مشكلة كبيرة أفرزتها السياسات القائمة في المنطقة، كما أنها تخلق إشكاليات حتى في عمل المحاكم، وأن الأنظمة السياسية عبر التاريخ لم تنجح في التخلص من البنية الذكورية، إذ غالباً ما تم التعامل مع النساء كأداة ضمن هذه المنظومة، مما أدى إلى تقييد مشاركتهن في مختلف مجالات الحياة، وإضعاف قدرتهن على المطالبة بحقوقهن بسبب الهيمنة القبلية والذكورية.

وفي سياق حديثها عن الإعلام، قالت إن جزءاً كبيراً من وسائل الإعلام يقع تحت تأثير الأحزاب والسلطات السياسية، مما يؤدي أحياناً إلى تشويه العادات والتقاليد، وأن بعض الوسائل الإعلامية تعرض النساء بصورة تجارية ضمن منظومة رأسمالية، أو تقدمهن بشكل مضلل يسيء إلى مكانتهن، مشددةً على ضرورة وجود ضوابط ومعايير مهنية للإعلام، وتعزيز دوره التوعوي بدلاً من نشر التشويه والأخطاء داخل المجتمع.

وفي ختام حديثها، أكدت تانيا طاهر، أستاذة القانون في كلية العلوم الإنسانية بجامعة السليمانية ضرورة أن تتخذ الجهات المعنية ونشطاء حقوق المرأة مواقف جدية تجاه هذه القضايا، وأن تتحمل السلطات الحاكمة مسؤولياتها إذا أرادت بناء مجتمع حر ومزدهر، مشددةً على أنه لا يمكن تحقيق ذلك في ظل تهميش حقوق النساء، خاصةً في ظل استمرار جرائم القتل تحت ذريعة "الشرف" وتنامي دور العشائر في تبريرها، ما لم يتم العمل الجاد لضمان حرية وحقوق النساء.